لا أحد يثير جدلاً بتلك الطريقة [2-2]

لا أحد يثير جدلاً بتلك الطريقة [2-2]

لا أحد يثير جدلاً بتلك الطريقة [2-2]

التعددية والواحدية في فلسفة بيتر سنجر الأخلاقية

فكري آل هير



***

رابط قراءه الجزء الأول : لا أحد يثير جدلاً بتلك الطريقة الجزء الأول

على الرغم من أن العديد من آراء ومواقف “بيتر سنجر” لن تكون محط اتفاق من قبل الكثيرين معه بأي حال من الأحوال، إلا إنه يمكن تفهم الدوافع والمنطلقات والغايات التي حرص عليها وتمكن من اظهارها بجلاء.

ترتكز فلسفة بيتر سنجر” الأخلاقية على مبدأ مسائلة النماذج القائمة ومحاسبتها عما هو حاصل في واقع الحال، وبالتالي فإن الأخلاق كأساس انساني، حاضر في كل طروحاته النقدية، فهو لا يتعامل مع قضاياه من وجهة نظر ذاتية محددة حضارياً أو فكرياً أو عنصرياً أو جغرافياً أو ما شابه، كما هو الحال في أغلب الأطروحات الغربية التي تتعامل مع الآخر خارج نطاق الغرب، بل يقدم طروحاته من منطلق انساني صرف، فهو معني بكل القضايا التي يظهر معها إخلال الأفراد والمؤسسات والدول والحكومات بالقيم الأخلاقية التي يجب أن يتساوى فعلها وأثرها على جميع الكائنات- البشر والحيوانات الأخرى- لذلك، فمن الصعب اجتياز المسافة الفاصلة بين الذات الانسانية التي ينطلق منها هذا الفيلسوف والآخر أياً كان نوعه أو جنسه، طالما وأن بإمكاننا دوماً إدراك ألمه ومعاناته، ومن ثم فإن الواحداية والتعددية في فلسفته الأخلاقية، تتماهى مع منطلقاته ومواقفه.

في هذا الجزء، سوف نستكمل معاً بقية ملامح الصورة في فلسفة سنجر الأخلاقية.. فلندخل في صلب الموضوع مباشرة إذن..!!

إن النظرة الإنسانية التي تعطي طابعاً أخلاقياً يؤسس لواحدية انسانية تدافع عن كل قضايا الانسان – أو الحيوان باعتبار الانسان مسؤول عنه- كتجسيد لمبدأ واحد يتمثل في التقليل من حجم الألم والحد من المعاناة، وزيادة حجم السعادة والشعور بالرخاء لدى الآخرين. هذه النظرة لم تحول دون اعطاء الآخرين أوصاف متباينة، فالآخر هو أي كائن يمكن أن تحقيق مبدأ المنفعة والمساواة عليه، ولكن حينما يتعلق الأمر بنماذج الألم الذي يعاني منه الآخرون فإننا نجد أن هذا الفيلسوف يمعن في معالجة قضايا كل فئة أو نموذج على حده، وإن كان ذلك كله يجري بناءً على منطلق واحد([i]).

لطالما انتقد فيلسوفنا مواقف الدول الغنية إزاء ما تتعرض له بعض الدول الفقيرة، من كوارث طبيعية ومجاعات وفقر وحروب، ويتساءل لماذا عندما تتعامل الدول الغنية مع حوادث مؤلمة من هذا النوع في الدول الفقيرة، وعندما تقرر مد يد المساعدة إليها.. لماذا لا تقدم لها العون الكافي؟ لماذا تظل المساعدات المقدمة غير كافية مع أن الدول الغنية قادرة على ذلك؟([ii])– ويتمادى في التساؤل أكثر، فيقول: “ما هي الآثار الأخلاقية لمثل هذا الوضع؟- لا يمكن القول بأن طريقة الدول الغنية في التعامل بهذا الشكل مع الكوارث الطبيعية والحوادث المؤلمة التي تهدد الشعوب الفقيرة، بأنه تعامل يمكن تبريره”([iii]).

أعتقد أنه تعمد اعتبار الدول الغنية طرفاً في معادلة أمام الدول الفقيرة، على أساس أنه هو نفسه يدافع من منطلق انساني عن قضايا تلك الشعوب التي يسحقها الفقر والكوارث الطبيعية والحروب، وكأن مجرد شعوره بمعاناتها يجعلنا نتصوره في الجهة نفسها معها، ونفس الأمر الذي اخذنا بالقياس موقفه النقدي في اطار علاقته بالدول الغنية.. وهذا يعني أن الآخر عند “سنجر” هو ما نحن مسؤولون عنه، إنه ذلك الذي يجب أن نسعى الى مساعدته والتقليل من معاناته.. ولكي تتضح هذه الرؤية التركيبية فلابد من تفكيك منظومة الأخلاق التي ينتقدها “سنجر” في كل طروحاته.

يقول “بيتر سنجر”: “لا يمكن القبول بالقول السائد الذي يبرر به البعض موقف الدول الغنية من الدول الفقيرة التي تعاني من الكوارث والمجاعات، بأن الشخص الذي يعاني والذي يجب أن نساعده ونقلل من معاناته يجب أن يكون قريباً منا ولدينا اتصال مباشر معه، بالقرب لنا، وأن هذه العوامل هي التي من شأنها أن تجعلنا نقرر ما إذا كنا سنساعده أم لا، أو حجم المساعدة التي سنقدمها له، لأن هذا يفترض أساساً أنه لا حظ مطلقاً للشخص البعيد جداً عنا بمساعدتنا له”([iv]).

ما هو معيار الأمر هنا؟!- يقول فيلسوفنا: “إنها مسألة مبدأ أخلاقي، إما أن نعمل به ونطبقه على الجميع، وإلا فإننا نعمل بالعكس منه تماماً، فإذا قبلنا بتطبيق مبدأ الحياد بحيث تكون نظرتنا للآخرين انسانية وليست موقوفة على مواقف سابقة، وإذا كنا نؤمن بالمساواة لأنفسنا، فلابد أن نؤمن بها لغيرنا تماماً، وأي عوامل أخرى واقعة تحت سيطرتنا لا يمكن أن تكون مبرراً للتخلي عن هذا المبدأ، لقد صار بالإمكان أن نتحدث عن قرية كونية اليوم، وبالتالي، فليس هناك ولن يكون هناك أي مبرر مقبول للتمييز على أسس من الأسباب الجغرافية، فإذا كان الهند أو البنغال تعاني من مجاعات وهناك أطفال ونساء يموتون، فلابد أن يتم مساعدتهم بالقضاء على المجاعة تماماً وليس بإعطائهم الحد الأدنى مما يبقيهم أحياء ولكن في معاناة شديدة وبؤس مؤلم- هذا إذا أردنا الحقيقة”([v]).

ومما لاشك فيه، أن هذا الطرح الانساني العميق، والذي يقوم على مبدأ أن الإحسان وعمل الخير لمصلحة الآخرين يجب أن لا يكون مقيداً بمبررات أو أسباب لعدم القيام به، يكشف بجلاء عن رؤية خيرية نابعة من نقد أخلاقي قاسي للنموذج السائد، فكل الشعارات التي ترفع عن المساواة والعالم الذي اصبح قرية واحدة صغيرة، تأتي على العكس منها تماماً الأفعال والمواقف، وإلا لماذا لا يزال هناك بشر يموتون جوعاً في هذا العالم؟!([vi]).

تقف هذه الطروحات اليوم، على رأس أكثر الاتجاهات النقدية تطرفاً ضد القيم اليهودية والمسيحية التقليدية، انطلاقاً من قناعته – أي سنجر- التي عبر عنها بقوله الشهير: “يستند عملي على افتراض أن الوضوح والاتساق في التفكير الأخلاقي لدينا هو المرجح دائماً -على المدى الطويل- ليقودنا إلى أفضل وجهات النظر حول القضايا الأخلاقية”([vii]).

المعروف عن “بيتر سنجر” أنه ولد في استراليا بعد عام واحد من انتهاء الحرب العالمية الثانية، من أسرة يهودية فرت من فيينا هرباً من الاضطهاد النازي، حيث لقي الكثيرين من أقاربه مصرعهم هناك، كانت والدته طبيبة ووالده من محبي الحيوانات، ويبدو أن عوامل البيئة التي نشأ فيها قد انعكست بقوة على أفكاره ومساره الفكري طوال حياته.

و”بيتر سنجر” فيلسوف ملحد، يرفض وبشدة الأخلاق اليهودية المسيحية، ويعتبرها قديمة ولم تعد ذات صلة بواقعنا المعاصر، فيقول: “نحن لسنا بحاجة إلى افتراض وجود الآلهة التي تنقل إلينا وصاياها، فنحن في الأساس قادرين على أن نفهم الأخلاق كظاهرة طبيعية”([viii]).

ويتسأل “سنجر”: “ما الذي يمكنني التفكير به باعتباره (حياة طيبة) بكل ما يعنيه هذا المصطلح؟- هذا هو السؤال الجوهري”([ix]).- “ذلك أن المبادئ الأخلاقية ليست قوانين مكتوبة حتى في السماء، وليست حقائق مطلقة عن الكون، ولا يتم معرفتها عن طريق الحدس، بل أنها مبادئ نابعة من طبيعتنا ككائنات اجتماعية، لذا فنحن أحرار في اختيار ما أردنا أن يكون، ومنطقياً فإن هذا يقتضي أن لا نفترض بأننا نحصل على ما نقرره لأنفسنا من خارج أنفسنا”([x]).

وهكذا فإن الآخر لديه قد يكون ذلك الشيء الذي يرفضه، والحقيقة أن تعمقه الأخلاقي جعله يرفض كل الأنساق الدينية والثقافية والأخلاقية القائمة في المجتمعات الغربية، والرفض ليس موقف ذاتي، بل موقف نابع من منطلقات أخلاقية أكثر منها شخصية أو ذاتية.

وبيتر سنجر- كــ “بنثام”- يرفض الاعتراف بالإله اليهودي والمسيحي- وكل الآلهة في الحقيقة- لسبب واحد وهو لماذا إن كانت موجودة سمحت بوجود كل هذه المعاناة، ولهذا يرفض فكرة التمييز اطلاقاً، حتى تمييز البشر عن الحيوانات هذه فكرة مرفوضة تماماً، وينتقد الأطروحات اليهودية التي تقول بتمييز البشر على الحيوانات وبتمييز اليهود على سائر الشعوب([xi]).

ما من شك بأن الآخر في نظر سنجر هو ذلك الكائن الذي يعاني من جهة، وهو أيضاً ذلك الذي يتسبب بالألم والمعاناة للآخرين من جهة أخرى، وبالطبع فهو شخصياً ينحاز للطرف الذي يعاني دون أي اعتبار لأي انتماء قد يشعر به للطرف المتسبب بتلك المعاناة.

الأساس الأخلاقي الذي يكمن وراء انحياز “سنجر” الدائم للفئات التي تعاني من الألم ومن شرور الانسانية، دفعه دائماً الى تقرير أن قيمة الأفعال الأخلاقية ليس في صورتها البسيطة، بل في عواقبها والآثار المترتبة عنها، فما يمكن اعتباره صائب أخلاقياً من وجهة النظر التقليدية قد يؤدي الى التسبب بالمعاناة والألم والشرور للآخرين، وما يمكن اعتباره خاطئ من نفس وجهة النظر تلك، قد يؤدي الى التسبب بسعادة الآخرين، وإذن فالمعيار هنا ليس القواعد التقليدية للفعل الأخلاقي، بل في القيمة التي تتحقق من هذا الفعل- وهي ما يعرف عند سنجر بالنفعية.

إن ما يدعونا إليه “سنجر” هو النظر دوماً الى عواقب أفعالنا، ودراسة الآثار المترتبة على خياراتنا بالنسبة للطريقة التي ينظر أو يشعر بها الآخرين نتيجة أفعالنا، فأفعالنا نفسها ليس لها قيمة أخلاقية جوهرية، بل ما ينتج عنها هو ما يحظى بالقيمة وما يجب أن ننظر إليه دائماً كقيمة، لذا فهو يقول: “ولا بد لي حين أفكر أخلاقيا، أن أتخيل نفسي في حالة جميع المتضررين من عملي (مع التفضيلات التي لديهم). ولا بد لي من النظر الى مصالح أعدائي وكذلك أصدقائي، والغرباء، وكذلك الأسرة، فإن كنت بعد الأخذ بالاعتبار مصالح وتفضيلات كل هؤلاء الناس، ما زلت أعتقد أن العمل هو أفضل من أي عمل بديل آخر، حينها فقط يمكنني القول بأنه صار بوسعي أن أفعل ذلك، في الوقت نفسه الذي يجب أن لا نتجاهل الآثار البعيدة المدى لتعزيز الروابط الأسرية، وإنشاء وتعزيز العلاقات المتبادلة، والسماح الظالمين بالاستفادة من أفعالهم الخاطئة([xii]).

وهكذا، فإن الأسس التي وضعها “سنجر” تتطابق تماماً مع الأسس التي وضعها “بنثام” من قبل لكل من الأخلاق والقانون، والتي قامت على مبدأ النفعية، وهو المبدأ الذي يقيم علاقاتنا وأفعالنا بمقدار ما تحققه من المنفعة والسعادة للآخرين، على مستوى الفرد والمجتمع والانسانية جمعاء، إذ يتبنى “سنجر” ما ذهب إليه “بنثام” من أن كل النظم تسعى لتحقيق المسرة وإبعاد الألم. وهذا النفعية يجب ألا تقتصر على الفرد، فقد تكون – جزئيا أو أساساَ- للأسرة أو المجتمع أو الدولة أو الجنس البشري.

وكما رأى “بنثام” فقد أكد “سنجر” على أن صواب أي عمل من الأعمال، إنما يحكم عليه بمقدار ما يسهم في زيادة السعادة الإنسانية أو في التقليل من شقاء الإنسان، بصرف النظر عن السداد الأخلاقي لقاعدة ما، أو مطابقتها للوحي أو للسلطة أو للتقليد أو للحس الأخلاقي أو للضمير. ومن ثم فإن اللذة هي الشيء الوحيد الذي هو خير في ذاته، والألم هو الشيء الوحيد الذي هو شرٌّ في ذاته، والسعادة تشمل اللذة والتخلص من الألم، وإن رجحان كفة اللذة قد يعود هو نفسه فيصبح مصدراً للمزيد من اللذة([xiii]).

ووفق هذه الرؤية، فإنه يمكن دفع الناس تجاه بعضهم البعض وتجاه الحيوانات وسائر الأنواع التي يمكن أن تشعر بالألم، أو نحن نشعر بألمها ومعاناتها، إلى التصرف على نحو يؤدي إلى السعادة العامة من خلال القانون الذي يقتص من الظالم والمخطئ، ومن خلال الرأي العام الذي له الحق في أن من يستحق الثواب والعقاب، فالقانون والرأي العام هما اللذان يحولان بين الناس وبين أن يأتوا من الأعمال ما يضاد الصالح العام. أما الأساس الثاني فهو المنفعة الذاتية المستنيرة التي تدل الناس على أن الصالح العام ينطوي في أغلب الأحوال على منفعتهم الخاصة([xiv]).

هكذا إذن، لقد تبنى فيلسوفنا الأخلاقي المعاصر “بيتر سنجر” رؤية مخالفة لما هو سائد، حيث انطلق برؤيته تلك من أساس انساني- أخلاقي، غير معترف بالأسس المحددة للتمايزات بين البشر وبعضهم البعض كالأديان والجغرافيا والأفكار والعرقيات وغير ذلك، وإنما أقام أفكاره على واحدية انسانية تنقسم الى ذوات تعاني وذوات أخرى تتسبب بالألم والمعاناة للآخرين.

فكري آل هير

انتهى…

([i]). J. Dinwiddy, Bentham, Oxford, New York, Oxford University Press, 1989. p 111.

([ii]). Peter Singer, The Expanding Circl:. Ethics and Sociobiology, New York: Farrar, Straus and Giroux, 1981. pp 159-160.

([iii]).Peter Singer, Practical Ethics, op. cit, p. 261.

([iv]).Peter Singer, The Expanding Circl:. Ethics and Sociobiology, op. cit, p 179.

([v]). Peter Singer. Famine, Affluence, and Morality. Philosophy and Public Afiairs, Vol. 1, No. 3. Spring, 1972, 229—243.

([vi]). Ibid. p 246.

([vii]). Peter Singer, Ethics, (Oxford Readers (OUP), 1994. p.5,

([viii]). Ibid. p 5.

([ix]). Peter Singer, How are we to live?, Opus (OUP), 1993 p.9

([x]). Ibid. p 5.

([xi]) . جاء في الويكبيديا (الانجليزية) حول تأثره بأفكار “بنثام”:

Singer stands in the tradition of the utilitarianism of Jeremy Bentham (1748-1832) and John Stuart Mill (1806-73). For more information, see New Dictionary of Christian Ethics and Pastoral Theology under ‘Bentham’ and ‘Mill’, or: www.wikipedia.org/wiki/Jeremy_Bentham.

([xii]).  Peter Singer, How are we to live? Ibid, p. 206

([xiii]). See more: Bedau, Hugo Adam. “Bentham’s Utilitarian Critique of the Death Penalty,” The Journal of Criminal Law and Criminology. Vol 74, 1983, p. 1030

([xiv]). من المؤكد هنا أن (المنفعة) هي بالأساس فكرة فلسفية لا تلتزم بالأصول الدينية، إذ تقيس صواب العمل بمقدار ما يحققه من منفعة وسعادة بصرف النظر عن توافقه مع الأخلاق أو مطابقته للدين، وترى أن كلَّ ما يُلزم به الدين، يمكن للقانون بقصاصه والرأي العام بالجزاءات التي يقررها أن يأتي به. ولا شك أن في هذا تجاوزاً يهدم أسس العقيدة ويحول المجتمعات إلى غابة تتصارع فيها المنافع بلا ضابط أو رابط، أو على الأقل فإن هذه الفكرة قد تكون بحاجة الى التصويب والتوجيه من وجهة النظر الشرعية، تقديراً للأسس الأخلاقية والنوايا الخيرة التي ترتكز عليها. (الباحث).

التعليق من فيس بوك


تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (1 صوت, بتقييم: 1.00 من 7)
Loading...

عن الكاتب

فكري آل هير
كاتب وباحث من اليمن