أصول وهوية علم الكلام – قراءة تحليلية في كتاب فلسفة المتكلمين

أصول وهوية علم الكلام – قراءة تحليلية في كتاب فلسفة المتكلمين
1

12734231_874722772647442_3779898379531821540_nأصول وهوية علم الكلام – قراءة تحليلية في كتاب فلسفة المتكلمين  

للمستشرق الأمريكي هاري أ. ولفسون

فكري آل هير



***

هناك خلط واضح في الكثير من الدراسات الاستشراقية التي عنت بالحديث عن أصل علم الكلام الإسلامي ومنشأه، حيث يجري الخلط بين مسألة المنشأ والمنبت من جهة والتأثيرات والمؤثرات من جهة أخرى، وذلك فيما بين القائلين بأصالة علم الكلام كمنتج إسلامي صرف، والقائلين بالجذور اليونانية والتأثيرات المسيحية واليهودية، وبين من يتخذ منحاً وسطاً فيقول بالأصالة والتأثيرات في آن معهاً، فالمتكلمين يهتمون بنوعين من البحوث، قسم يرتبط بالمسائل العقائدية، وهو البحث الأساسي عند المتكلمين، وقسم آخر يُمثل مقدمة لمباحثهم، ويرتبط بالمسائل الفلسفية، وقد حصل تمازج واضح بين الفلسفة والكلام عند المتكلمين المتأخرين، وخصوصاً منذ الخواجة نصير الدين الطوسي المتوفى سنة (672هـ ) حتى الآن.

في الفصل الأول من كتابه (The Philosophy of the Kalam) والمنقول للعربية بعنوان: “فلسفة المتكلمين في الإسلام” – أو بعنوان: “مقدمة في تاريخ علم الكلام”- هذا الفصل الذي استغرق من الكتاب أكثر من عشر ومائة صفحة في نسخته الانجليزية، وأكثر من ذلك في الترجمة العربية- وفيها ينافح (هاري ولفسون) [[1]] بشكل واضح وصريح أي فكرة تقول بأصالة علم الكلام الإسلامي كمنتج فكري أو حتى عقائدي عربي إسلامي خالص، ويسعى في السياق نفسه الى القول: “هناك ثلاثة أعمال – كُتبت باللغة العربية- تؤرخ لنشأة علم الكلام ومراحل تطوره، اثنان منها لمسلمين هما: الشهرستاني (1086- 1153م) وابن خلدون (1332 – 1406م)، والكتاب الثالث ليهودي هو موسى ابن ميمون (1135- 1204م).

يقدم (ولفسون) تحليلاً سردياً طويلاً ومعمقاً لكل من الشهرستاني في كتابه “الملل والنحل”، وابن خلدون في كتابه “المقدمة”، بوصفهما يقدمان علم الكلام لا بما هو نسق موحد في مقابل العقلانية الدينية عند من اصطلح على تسميتهم “الفلاسفة”، بل بما هو نسق تتوزع فيه آراء مقابلة لفرق متعارضة فيما بينها. وما يجمع بين الشهرستاني وابن خلدون في تقديمهما لعلم الكلام هو أنهما، على حين يشيران إلى بعض التأثيرات الفلسفية عليه، لا يذكران أي تأثير مسيحي على علم الكلام بوجه عام، برغم أن الشهرستاني يتحدث عن تأثير مسيحي على اثنين من المتكلمين، وأن ابن خلدون يشير مباشرة إلى نوع ما من التأثير المسيحي على علم الكلام. ثم يقدم لابن ميمون – من الطائفة اليهودية- باعتباره ينتمي إلى من كانوا يُسمون في ذلك الوقت عند المسلمين بالفلاسفة، مع أنه كانت له فلسفته الدينية الخاصة، التي تميز بها عن المتكلمين كذلك، حتى في بعض المعتقدات التي كانت مشتركة- كما يقول- بين اليهودية والإسلام جاء تصوره لعلم الكلام. وبناء عليه، فإنه يُقدم علم الكلام، لا في تطوره التاريخي عبر مرحلتي وجوده، لكنه يقدمه بالأحرى على نحو ما وجده في عصره، في القرن الثاني عشر، بعد أن كانت فرقتا المعتزلة والأشاعرة، على السواء قد اكتسبتا الطابع الفلسفي، كل منهما بطريقته[[2]].

ما هو أصل تسمية علم الكلام؟ وما هو أصل هذا النسق من التفكير الذي وصف بأنه “كلام”؟- هذه هي الإشكالية، ولننظر من بعد كيف قدم (ولفسون) مقاربته في هذا الشأن.

أصل مصطلح علم الكلام:

هناك عدّة آراء حول التّسمية، الرأي الأول يحاول ترجمة المصطلح اليوناني (Logous- logic)- والتي تعني: (كلمة، نطق). في حين يعتمد البعض في القول برأي آخر على أن علماء الكلام قد عالجوا قضايا جديدة لم يثرها السّلف – هذه القضايا فكريّة جدليّة (كلاميّة)- ومن ثم فالمتكلّم ليس إلا مفكّر عُني بالجدليّات والبرهنة المنطقيّة في كلامهم. أما الرأي الثالث فيقول بأن مردُّ الاسم يرجع إلى اختلاف المسلمين في كلام الله: هل هو أزليّ أم حدث في زمانٍ ما، وهي المسألة المعروفة بخلقِ القرآن: هل القرآن أزليّ مثل الله أم لا- كقضيّة جدليّة بين علماء المسلمين[[3]].

ويمكن القول بأن الإشكالية تكمن في وجود اتجاهين متباينين، سعى كل منهما الى تحديد ماهية علم الكلام بالنسبة للنصوص الدينية والعلوم الشرعية من جهة، وبالنسبة الى الفلسفة من جهة أخرى، وفيما يصر التيار الديني السلفي على أن الكلام هو علم يهدف الى الرد على المخالفين للإسلام والبحث في أسس عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام، من خلال مرجعية النصوص القرآنية والنبوية، يصر التيار المناهض على أن علم الفقه يختلف عن علم الكلام لوضعه القوانين والأحكام الشّرعيّة عن طريق استنباطها من أصولها المختلفة.

والشهرستاني في كتابه “الملل والنحل” يقول: الفرق بين علم الكلام وعلم الفقه هو الفرق بين الأصول والفروع. ويضيف: “الأصول معرفة الباري تعالى بوحدانيّته وصفاته، ومعرفة الرّسل بآياتهم وبيّناتهم، ومن المعلوم أنّ الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة، فالمعرفة أصل والطّاعة فرع، ومن تحدّث في الأصل متكلّم”[[4]].

لقد حسم (ولفسون) هذه المسألة بالقول أن مصطلح “الكلام” يعني حرفياً “الحديث” أو “اللفظ المنطوق”- في الترجمات العربية للأعمال الفلسفية اليونانية للتعبير عن المصطلح اليوناني “لوجوس” (Logos) بكل معانيه المتنوعة الدالة على: “الكلمة” (Word) و”العقل” (Reason) و”الحُجة” (Argument)- ويُستخدم مُصطلح “الكلام” في تلك الترجمات العربية كذلك للدلالة على أي فرع من فروع التعليم. واسم الفاعل “متكلمون”(في صيغة الجمع، والمفرد منه: “متكلم”) يُستخدم للدلالة على الشيوخ الممثلين لأي فرع مخصوص من فروع التعليم. من هنا ظهرت ترجمات عربية -عن اليونانية- من قبيل: الكلام الطبيعي، أصحاب الكلام الطبيعي، المتكلمون في الطبيعيات، أصحاب الكلام الإلهي، المتكلمون في الإلهيات،.. الخ. وبهذا المعنى أصبح مصطلح “الكلام” يُستخدم عند من يكتبون بالعربية أصلاً، ربما بتأثير من هذه الترجمات العربية عن اليونانية[[5]].

وتتضح غاية هذا الموقف الذي حرص (ولفسون) على اظهاره بشكل مباشر ومبكر، في التأكيد على أن جذور مصطلح الكلام تعود به الى اليونان، فهو من هذه الناحية منتج يوناني تم نقله الى العربية في الإسلام، الأمر الذي يمكن معه الحديث عن مقدمات لهذا المصطلح وهذا النوع من التفكير سابقة على الإسلام نفسه، وليس علم الكلام الإسلامي وحسب.

وعلى هذا النحو- ووفق رأي (ولفسون)- يتحدث يحيي بن عدي عن المتكلمين المسيحيين، ويتحدث الشهرستاني عن كلام إمبدوقليس وكلام أرسطوطاليس وكلام المسيحيين في كيفية التجسد والاتحاد، ويتحدث يهودا اللاوي عن قوم ينتمون إلى نفس مدرسة المتكلمين أمثال أصحاب مدرسة فيثاغورس ومدرسة إمبدوقليس ومدرسة أرسطو ومدرسة أفلاطون، أو عن الرواقيين وعن فلاسفة آخرين وعن المشائين الذين ينتمون إلى مدرسة أرسطو، ويتحدث ابن رشد عن المتكلمين من أهل ملة الإسلام ومن أهل ملة النصارى أو على حد تعبيره المتكلمون من أهل الملل الثلاث، ويتحدث موسى بن ميمون عن المتكلمين الأُول من اليونانيين المتنصرين ومن المسلمين، ويتحدث ابن خلدون عن كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات[[6]].

إضافة إلى هذا كله طُبق مصطلح “الكلام” دونما تقييد على نسق مُعين من التفكير في الحضارة الإسلامية ظهر قبل ظهور الفلاسفة، سُمي أعلامه بـ”المتكلمين”، وكانوا على النقيض من أولئك المفكرين الذين أطلق عليهم ببساطة منذ زمان أبو يوسف الكندي اسم الفلاسفة[[7]].

ويحسن (ولفسون) الاستفادة تماماً من إشارات الشهرستاني بهذا الخصوص مما ورد في كتاب الأخير “الملل والنحل”، ومن إلماعات ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، في تدعيم رؤيته السابقة، التي تقول بالأصل اليوناني لمصطلح “الكلام”، وهو ما استدعى منه أن يستهل الموضوع بمدخل تاريخي للمصطلح قبل الإسلام. إذ قدم تحليلا لمصطلح الكلام ونشأته وتطوره وقدم من خلالها رؤيته لنشأة علم الكلام وتطوره، ثم تناول المؤثرات الخارجية[[8]]– على أنه بطول الكتاب ومن خلال النظريات الكلامية الست التي تناولها (مشكلة الصفات، والقرآن، وخلق العالم، والمذهب الذرى، والعلية، الجبر والاختيار) يهتم للغاية بالتأريخ للمشكلة قبل الكلام الإسلامى، ثم أثر ذلك على الكلام الإسلامى، ثم يتابع تطور الفكرة فيه، مقارنا لها بتطوره في الكلام غير الإسلامى[[9]].

أصل نشأة الكلام وفق الشهرستاني وابن خلدون:

من الناحية التاريخية حول نشأة الكلام في التاريخ العربي الإسلامي، ينطلق (ولفسون) من مشكلة “الفهم الصحيح للإسلام” والاختلاف بين المسلمين بشأنها في القرن الأول الهجري- لاسيما في خضم الصراع السياسي الذي نشب بين جماعة المسلمين بعد عقدين أو أكثر قليلاً من وفاة النبي محمد (570 – 632م) – صلى الله عليه وسلم، وهو الخضم الذي ظهر فيه تيار “السلف” مُصطلح أطلق على صحابة النبي محمد وعلى التابعين الذين صحبوا الصحابة، وما وافق عليه هؤلاء السلف يُعد أساساً للعصر الأول للحضارة الإسلامية، بحيث تعبر تسميتهم هذه إما عن كونهم الأتباع الأولين لدين الإسلام أو عن كونهم أصحاب الفهم الصحيح للدين.

وهنا يعرض (ولفسون) لرؤية ابن خلدون التي تقول بأن الأصل الديني للإسلام الذي تشكل من تعاليم القرآن يشتمل على نوعين من التكاليف: الأول التكاليف البدنية، والثاني التكاليف القلبية[[10]].

ويتحدث (ولفسون) عن ثلاث مراحل تاريخية حول نشأة علم الكلام وتطوره في إطار الحضارة الإسلامية، مؤكداً على أنه ما من دليل أو قرينة ما تشير على وجه الدقة متى أصبح لفظ “الكلام” يُستخدم بهذا المعنى الاصطلاحي- غير أننا وبحسب (ولفسون) نفهم من عبارات الشهرستاني انه كان هناك “علم كلام” سابق على نشأة الاعتزال على يد واصل ابن عطاء (699- 748م) وأن رونق الكلام ابتدأ من عهد هارون الرشيد (786- 809م)- في إشارة واضحة الى أن لعلم الكلام نشأة سابقة على مرحلة الاعتزال.

وربما يمكن أيضاً الاستدلال على وجود كلام سابق على الكلام الاعتزالي من استخدام مصطلح “المتكلمين” عند ابن سعد (764/ 765- 854م) في الإشارة إلى أولئك الذين كانوا يناقشون وضع مرتكبي الكبيرة في الإسلام الذي أثارته فرقة المرجئة السابقة على الاعتزال. ومن استخدام مصطلح “يتكلم” عند ابن قتيبة (828- 889م) فيما يتعلق بمناقشة مسألة حرية الإرادة عند غيلان الدمشقي السابق على المعتزلة.

وفي سياق توضيحه لكيفية تأسس “علم الكلام” عند أولئك المتكلمين الذين ازدهروا قبل قيام الاعتزال، وعلى أي نحو كان ذلك التأسيس، يصف لنا (ولفسون)- استناداً إلى ابن خلدون- الأحوال الفكرية التي كانت سائدة في الحضارة الإسلامية قبل المعتزلة بقوله أن الاختلافات حول مسائل العقائد أدت إلى قيام “علم الكلام”، فالمشاركون في مناقشة مشكلات من قبيل: التشبيه، والقدر، ومرتكب الكبيرة، وموقف “أصحاب الجمل” من الفريقين، بدلاً من مجرد اقتباس نصوص من القرآن والسنة دفاعاً عن آرائهم، استخدموا منهجاً معيناً في الاستدلال، توصلوا به إلى استدلالات من نصوص القرآن والسنة تلك. كان ذلك المنهج الاستدلالي مُستعاراً من الفقه، حيث كان مستخدماً فيما يتعلق بمسائل الشرع التي كانت تحكم الفعل، وكان معروفاً بمنهج القياس “بمعنى المماثلة”. أما بالنسبة لمسائل الاعتقاد التي أصبح يطبق عليها حديثاً منهج القياس هذا فكانت مسائل تتصل بــ “الكلمة المنطوقة”، وأصبح هذا التطبيق الحادث لمنهج القياس يسمى “الكلام”، أي ما يُقصد حرفياً من “الكلام المنطوق”- والمنهج قائم، سواء في الفقه أو الكلام، على مجرد التشابه وأدلته مستمدة من النقل.

الفرق التي ظهرت في حضارتنا الإسلامية كثيرة، وأكثر منها الاختلافات حول مسائل العقيدة. غير أن (ولفسون) ولأغراض دراسته لفلسفة المتكلمين في حضارتنا، تناول اختلافات بعينها، تتعلق بمسألتين إيمانيتين: الإيمان بالله، أي الإيمان بالتصور الصحيح عن الله. والإيمان بالقدر- أي الإيمان بسلطان الله على الأفعال الإنسانية. فلقد ظهرت، فيما يتعلق بهاتين المسألتين الإيمانيتين، اختلافات في حضارتنا حتى قبل قيام الاعتزال، وهي الاختلافات التي أدت إلى مجالات عُرفت اصطلاحاً بــ “الكلام”.

وبحسب ابن خلدون، كانت اختلافات السابقين على المعتزلة عن التصور الصحيح عن الله هي تلك التى تتعلق بآيات التشبيه في القرآن. وكان مصدر الاختلافات الأوصاف التى وُصف الله بها في القرآن. فمن ناحية ورد فيه وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل في أكثر من آية، وهي صريحة في بابها[[11]]. ومن ناحية أخرى، وردت في القرآن آية أخرى توهم التشبيه، هذه الآيات والتي قد يراها البعض متباينة أدت بحسب ابن خلدون إلى آراء ثلاثة: أولاً، سلم السلف-الذين غلبوا أدلة التنزيه- بآيات التشبيه في القرآن، فلم يتعرضوا لمعناها بتأويل، لأنهم فيما يرى ابن خلدون علموا استحالة التشبيه، وقضوا بأن الآيات من كلام الله، فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل. ثانياً، بجانب أولئك الذين تبنوا الرأي السابق، وُجدت قلة من “المبتدعة”[[12]]– ومنهم فرقتان رئيسيتان: توغلت الأولى في التشبيه الصريح مخالفة بذلك آي التنزيه المطلق، أما الثانية فحاولت التوفيق، ومن هنا ظهر التأويل من خلال صيغة: جسم لا كالأجسام.

الاختلاف الثاني الذي ظهر قبل نشأة المعتزلة هو – فيما يرى الشهرستاني وابن خلدون- ما كان يتعلق بالاعتقاد بقدرة الله. وهذا الاختلاف نتج أيضاً عن الآيات القرآنية حول قدرة الله. فمن ناحية، توجد آيات تقرر أن هناك بعض وقائع الحياة الإنسانية وبعض أفعال الإنسان مقدرة من الله سلفاً، على حين توجد آيات تقرر أن الإنسان يتمتع بحرية معينة يمارس بها أفعاله، من ناحية أخرى. ووفقاً لما يقرره الشهرستاني فإن الرأي الأصيل في الإتباع تمثل في إتباع تلك الآيات التي تُظهر أن القدرة المهيمنة على الفعل الإنساني مرجعها إلى الله. وفي أواخر عهد الصحابة، حدثت بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الأسواري في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر. ولأنهم حولوا القدر من الله إلى الإنسان زاعمين أن الإنسان، وليس الله هو الذي يحدد أفعاله الخاصة، عُرفوا بـ “القدرية”. وعلى ذلك، يشير (ولفسون) إلى هاتين الفرقتين على أنهما: فرقة القائلين بالاختيار “القدريين”، وفرقة القائلين بالجبر “سبق التقدير”. والفرقتان حاولتا تفسير الآيات المعارضة لهما.

ويشرح (ولفسون) بدايات ومراحل وأطوار علم الكلام، بالتأكيد على أمر اعتبره جوهري في تفسيره، وهو أن علم الكلام مر بعدة بدايات وعدة مراحل وأطوار، تكاد كل منها تمثل بداية مستقلة ومتميزة عن الأخرى التي سبقتها أو التي تلتها، فالبداية كانت مع علم الكلام المعتزلي بفترتيه: غير الفلسفية، والفلسفية، ومن بعده جاءت محاولات الخلفاء لحمل أئمة السلف على الاعتزال – وهو ما عُرف بـ”المحنة”- ثم ردود الفعل على هذه المحاولات العنيفة وظهور علم الكلام الأشعري، وما طرأ عليه بعد ذلك من تغييرات أحدثها الباقلاني والغزالي، وأخيراً نهوض ابن تيمية وابن القيم لإحياء مذهب السلف على طريقة الحنابلة ومقاومة غلو الغالين في خلط الفلسفة.

ينتقل (ولفسون) بعد وصفه لمرحلة ما قبل الاعتزال الى مرحلة ظهور مذهب الاعتزال نفسه، مستعيناً في هذا الجانب الى رأي المستشرق (نلينو)[[13]]، في التأكيد على صعوبة معرفة السبب أو المعنى الذي أطلق على أساسه لفظ “المعتزلة”، وهي التسمية التي أول ما أطلقت على أصحاب المذهب الذي كان قد ظهر في القرون الثاني والثالث والرابع للهجرة، باعتباره خصماً خطراً لمذهب أهل السنة في “الكلام”، ذلك لأنه يتوقف على مثل هذه المعرفة حل مسألة من أهم المسائل التاريخية، وهي مسألة أصول حركة المعتزلة، وطابعها الأصلي.

على أية حال، وبدون التوقف كثيراً عند هذه الآراء المتباينة حول أصل تسمية المعتزلة، يرى (ولفسون) أن مرحلة علم الكلام المعتزلي غير الفلسفي دامت قرابة القرن، من وقت ظهور المعتزلة وحتى ظهور ترجمة الأعمال الفلسفية اليونانية الى اللغة العربية في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي. ثم حدث، بعد انقضاء قرن على زمن بن عطاء، أن تأثرت المعتزلة بالفلسفة اليونانية واكتسبت طابعاً جديداً.

يتوقف (ولفسون) عند قول للشهرستاني: “ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة، حين فُسرت أيام المأمون. فخلطت مناهجها بمناهج الكلام، وأفردتها فنا من العلم وسمتها باسم الكلام. إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام فسُمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق. والمنطق والكلام مترادفان-[كما أن الكلمة اليونانية (Logos)، أي العقل والمنطق، تعني أيضاً الكلام][[14]].

ومن الواضح أن الشهرستاني يشير الى أن مذهب الاعتزال يتوزع بين فترتين: فترة غير فلسفية وأخرى فلسفية. في الفترة الأولى السابقة على التأثر بالفلسفة اليونانية استخدم المعتزلة ما يوصف بأنه مناهج الكلام. والتي يرى (ولفسون) أن الشهرستاني يشير بها إلى تلك التطبيقات المتنوعة للقياس الفقهي على الاختلافات التي ظهرت، في نطاق ما يُسمى بالكلام قبل الاعتزال، حول مسألتين: الأولى، مسألة التصور الصحيح عن الله، خاصة مشكلة التشبيه. الثانية، مسألة الاعتقاد في القدرة.

والحقيقة أن رأي (ولفسون) هذا يتسق مع وصفه للأحوال الفكرية التي كانت سائدة في الحضارة الإسلامية قبل قيام الاعتزال، ذلك الذي أوردناه فيما سبق بشيء من التفصيل، في سياق عرضنا  لكيفية تأسس علم الكلام عند متكلمي ما قبل الاعتزال.

أما مناهج الفلاسفة التي يشير الشهرستاني في حديثه إلى خلط المعتزلة إياها بمناهج الكلام، فيرى (ولفسون) إمكانية الزعم بأن الشهرستاني كان يقصد بها أمرين:  أولهما أنه ربما كان يقصد أن المعتزلة -وبتأثير من الترجمات العربية للأعمال الفلسفية اليونانية، قد بدأوا يستخدمون مصطلح القياس المرادف لكلمة (syllogism)[[15]]، أما عن مصطلح القياس بالمعنى القديم للمماثلة (analogy) المستخدم في الفقه فإنهم أحلوا محله مصطلح التمثيل. تبرير هذا الافتراض هو أن آخرين من الذين خضعوا لتأثير هذه الترجمات من المسلمين قد بدلوا معنى القياس الذي يدل عليه لفظ المماثلة (analogy) إلى القياس الذي يدل عليه لفظ (syllogism). وأحلوا محل القياس بمعناه الفقهي القديم مصطلح التمثيل. هكذا نجد ابن سينا والغزالي على سبيل المثال، يستخدمان القياس بمعنى (syllogism) والتمثيل بمعنى الـ (analogy)، والذي يقوم استخدامه في الفقه على أساس التشابه بين الأشياء ـ. وبعد ذكر مصطلح التمثيل يلاحظ ابن سينا أن هذا هو الذي عرفه أهل زمانه بالقياس، ويلاحظ الغزالي أن هذا هو الذي يسميه شيوخ الفقه وشيوخ الكلام القياس.

أما الأمر الثاني – بحسب (ولفسون)- فيمكن افتراض أن الشهرستاني كان يقصد بكلامه أيضاً أن المعتزلة المتفلسفين قد أصبحوا على دراية بتصور أرسطو لــ (analogy)  وهو ما عُبر عنه في العربية بـ”المساواة”، وخلطوه بالقياس الفقهي الذي أصبح المصطلح العربي الجديد الدال عليه هو “التمثيل”، أي التشابه. المماثلة عند أرسطو لم تكن قائمة، كما هو الشأن في الفقه، على مجرد التشابه بين الأشياء. فالمماثلة عنده هي المساواة في النسب – أو-(العلاقات)، والتي يصورها بأنه عندما  يُحمل مصطلح الخير على العقل وعلى البصر، فإن ذلك يكون على طريق المشاكلة (analogy) بمنزلة ما أن العقل في النفس كقياس البصر في البدن.

إذن، فما يريد الشهرستاني – بحسب (ولفسون)- قوله هو أن المعتزلة المتفلسفين خلطوا التمثيل المُستخدم في الفقه، والذي يقوم على مجرد التشابه، بالتمثيل الذي يستخدمه أرسطو بمعنى التساوي في النسب أو العلاقات.

مع وصف الشهرستاني لنشأة الاعتزال يتفق ابن خلدون، فإشارة الأخير إلى التمييز بين فترة غير فلسفية وأخرى فلسفية في تاريخ الاعتزال، واضحة في وصفه منذ البداية ببساطة لواصل ابن عطاء عندما يرد اسمه بأنه واحد منهم، أي من المعتزلة. لكن اسم أبي الهذيل[[16]]، فإنه يصفه بأنه اتبع رأي الفلاسفة، وبالمثل اسم النظام[[17]] يصفه بأنه طالع كتب الفلاسفة. ابن خلدون يتابع الشهرستاني فيعطي ذات السببين اللذين من أجلهما تبنى متفلسفة المعتزلة الاسم القديم “كلام” لمذهبهم. يقول ابن خلدون: “وكانت طريقتهم تسمى علم الكلام: إما لما فيها من الحجاج والجدال، وهو الذي يسمى كلاماً، وإما أن أصل طريقتهم نفي صفة الكلام- أي: قِدم القرآن”[[18]].

مع قيام فرقة المعتزلة التي استخدمت-على نحو ما ذكر آنفاً- منهج الكلام واستبقت لمذهبها اسم “الكلام” حتى عندما أصبح طابع مذهبهم فلسفياً، أصبح مصطلح “الكلام” بالتدريج علماً على المعتزلة. ومن ثم فالشهرستاني وابن خلدون يرويان لنا كيف تبنى بعض الخلفاء الاعتزال وحملوا أئمة السلف عليه- وهو ما عُرف بالـ”محنة” – وكيف أدى رد فعل السلف على هذا القمع إلى قيام علم كلام سني يناهض المعتزلة.

ويحرص (ولفسون) في هذا السياق الى إلقاء الضوء على ما عُرف بـ”المحنة”، لأهمية ذلك الحدث وخطورته[[19]].

وقد ذهب الخليفة المأمون المعتزلي- بحسب ما ينقله إلينا (ولفسون)- إلى أن اعتبار القرآن مخلوقاً في الزمان امتحان لا يجوزه إلا ثابتو الإيمان. واشتد لسوء الحظ تعصب المعتزلة لآرائهم أيام سلطانهم وقد قاسوا كثيراً ولاقوا عنتا شديداً فيما بعد من جراء اضطهادهم لأهل السلف الذين تمسكوا تمسكاً شديداً بالمذهب القائل بقدم القرآن، ولم يسرفوا في تفسيره حرفياً وأقروا عدداً جماً من السنن التي ذاعت في الناس. على أنه قد أصبح واضحاً جد الوضوح إبان القرن الرابع للهجرة ألا مفر من بعض التسليم بما ذهب إليه المعتزلة، إذ تبلبلت أفكار الناس ومست الحاجة إلى تعزيز قواعد الدين من جديد على ضوء الأفكار الشائعة. وقد اضطلع بهذا الأمر الخطير رجلان: الأول، أبو الحسن الأشعري (873- 935م)، والثاني، أبو منصور الماتريدي المتوفى سنة (944م).

وها هو ابن خلدون يوجز لنا رد فعل السلف بإزاء المحنة” بقوله: “وكان ذلك سبباً لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعاً في صدور هذه البدع”[[20]]. وفي ظل ما يراه (ولفسون) من أن تعبير الاحتجاج بالعقل يستخدمه ابن خلدون للدلالة على منهج القياس التمثيلي الفقهي القائم على معطيات نقلية والذي استخدم في وقت سابق على قيام الاعتزال واكتسب اسم الكلام، يكون واضحاً تماماً أن ما يعنيه ابن خلدون بهذه العبارات هنا هو أن أئمة السلف، قد تبنوا في استدلالاتهم، نتيجة للمحنة، منهج القياس الكلامي السابق على المعتزلة. ابن خلدون بالفعل يشير، بعد هذه الفقرة تماماً، إلى أهل السنة هؤلاء بأنهم “المتكلمون”[[21]]. ويُدخل فيهم ابن كلاب والقلانسي والمحاسبي، وهي الأسماء التي توصف. من جانب الشهرستاني ـ بأنها “أمتن كلاماً”، وذلك في إشارة إلى نمط الكلام غير الفلسفي السابق على الاعتزال[[22]].

وبحسب (ولفسون) فالمتكلمون المذكورة أسمائهم تواً جماعة واحدة فقط من جماعات ثلاث للسلف ناضلت عقب المحنة فيما يتعلق بمشكلة الصفات، بما في ذلك “قدم القرآن”. غير أنها، ورغم كونها من جملة السلف، باشرت علم الكلام وأيدت عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية، مما يعني استخدامها منهج المماثلة الكلامي السابق على المعتزلة.

من جهة أخرى، يصف الشهرستاني الجماعتين الأوليتين من هذه الجماعات الثلاث بأنهما ناهضتا المعتزلة لا على قانون كلامي- أي بدون استخدام منهج القياس الذي كان مستخدماً قبل قيام المعتزلة عند بعض السلف، بل على قول إقناعي، بمعنى أنهما تشبثتا بمنهج المسلمين الأوائل وتعلقتا بظاهر الكتاب والسنة. تعبير على قول إقناعي يشير برأي (ولفسون) إلى ما يسميه أرسطو بالقول الخطابي، فالخطابة عنده ملكة اكتشاف الوسائل الممكنة للإقناع بالإشارة إلى أي موضوع كان.

وهكذا، انقسم السلف في حوالي منتصف القرن التاسع حول مشكلة آيات التشبيه في القرآن إلى جماعات ثلاث:

  • جماعة الحنابلة، الذين رفضوا ـ على حين أنكروا التشبيه- مناقشة آياته الواردة في القرآن.
  • جماعة من الحشوية الذين رفضوا -وقد أخذوا آيات التشبيه على ظاهرها- مناقشة تلك الآيات التي تحظر التشبيه.
  • جماعة الكلابية الذين أولوا آيات التشبيه في القرآن طبقاً للمنهج الكلامي، أي منهج القياس التمثيلي على نحو ما هو مستخدم في الفقه وعبروا عنه بصيغة “جسم لا كالأجسام”. ومن قلب هذه الجماعة الكلابية انبثق علم الكلام الأشعري بعد قرن من الزمان، وذلك في عام (912م).

وكما قرر الشهرستاني: “فان جماعة- يقصد الكلابية- باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية وصنف بعضهم ودرس بعض، حتى جرى بين الأشعري وبين أستاذه الجبائي مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة الكلابية فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة”[[23]].

وينتقل (ولفسون) الى مرحلة الكلام الأشعري – نسبة الى الأشاعرة- انطلاقاً مما قاله ابن خلدون، عندما قرر أن الأشعري كان إمام المتكلمين، يقصد الفرقة المكونة من الجماعات الثلاث السالفة الذكر، ليصفه بعد ذلك بأنه توسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه، ثم يضيف على ذلك أنه أثبت جميع الصفات، بطريق النقل والعقل.

إذ يرى (ولفسون) أن ما يقصده ابن خلدون من عبارته طريق النقل والعقل هو نفسه الجدل القائم على العقل مضافاً إليه الدليل المستمد من النقل، المستخدم وصفاً للمنهج القياسي في الفقه. أيضاً نجد عند ابن خلدون وصفاً لتطور الكلام الأشعري[[24]].

يبدأ ابن خلدون بتحديد عام لخصائص الكلام في فقرة أخرى يقول فيها، بعد أن قرر أن المذهب الأشعري على نحو ما أكمله أتباعه أصبح واحداً من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية: “إلا أن صور الأدلة فيها- في طريقة الأشاعرة- جاءت بعض الأحيان على غير الوجه القناعي- أي: جاءت غير مطابقة لقواعد البرهان المنطقي، لسذاجة القوم ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة وتعتبر الأقيسة لم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشيء لم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة لعقائد الشرع بالجملة، فكانت مهجورة عندهم لذلك”[[25]].

يُلاحظ (ولفسون) هنا أن ابن خلدون لا يقول لنا إن المذهب الأشعري لم يعتمد في صياغة أدلته على الفلسفة ولا يقول إن أدلته صائبة منطقياً في بعض الأحيان. كل ما يقوله هو أن أدلته جاءت بعض الأحيان على غير الوجه القناعي، والمقصود بقوله بعض الأحيان: عندما كان يمكن أو عندما كان يلزم أن تكون الأدلة مقدمة في صيغة منطقية أي قياسية، فإنها لم تقدم على هذا النحو، وربما كان في ذهن ابن خلدون هذا الدليل الكلامي على حدوث العالم، الذى وصفه مؤخراً بأنه دليل من حدوث الأعراض المكونة لأجزاء العالم. ويأتي هذا الدليل، كما صاغه عديد من المتكلمين، كلهم من الأشاعرة، في صيغة غير قياسية، غير أن ابن سوار المسيحي عندما عرضه على لسان المتكلمين رتبه في صيغة منطقية. ثم أبدى ملاحظة قال فيها: هذا قياسهم إذا نُظم النظم الصناعي.

وابن خلدون أيضاً يذكر تغييرين حدثا في علم الكلام الأشعري[[26]]: التغيير الأول: أحدثه الباقلاني المتوفى عام (1013م). أما التغيير الثاني: فأحدثه الغزالي(1059-1111م)، ويمكن وصفه بأنه جعل نمط الكلام الأشعري كلاماً فلسفياً. فعلى خلاف الباقلاني الذي وصفه ابن خلدون بأنه تلميذ الأشعري وبواسطته تمت طريقة الأشعرية، إذ يصف ابن خلدون الغزالي بأنه الذي أدخل طريقة المتأخرين.

ويشير (ولفسون) الى أن ابن خلدون لم يعرض لنهوض ابن تيمية (1263- 1328م) وتلميذه ابن قيم الجوزية (1292- 1350م) لإحياء مذهب السلف على طريقة الحنابلة ومقاومة غلو الغالين في خلط الفلسفة. فالمقريزي يقول في خططه: “إن مذهب الحنابلة الذي أحياه ابن تيمية كان له أنصار بمصر. ثم ضعفت الهمم عن الدراسات القوية لعلم الكلام ولم يبق بين الناظرين في كتب السابقين إلا تحاور في الألفاظ وتنافر في الأساليب، على أن ذلك في قليل من الكتب اختارها الضعف وفضلها القصور. محمد عبده في رسالة التوحيد يتفق مع هذا الرأي. الوجود الراهن لعلم الكلام يقوم على التنافس بين مذهب الأشعرية، ومذهب ابن تيمية. أنصار هذا الأخير يسمون أنفسهم اليوم بالسلفية”[[27]].

وثمة تمييز مُلهم – كما يشير (ولفسون)- أورده ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة،  بين العلوم “الفلسفية” و”النقلية”، أدخل فيه تحت هذه الأخيرة كلا من الفقه والكلام، واصفاً الفقه بأنه أصلها، وقائلاً عن العلوم الفلسفية: إن موضوع كل علم من هذه العلوم ومشكلاته التي يعالجها، ومناهج الاستدلال التي يستخدمها في حل هذه المشكلات، كل ذلك أصله طبيعة الوجود الإنساني من حيث أن الإنسان كائن عاقل. أما بالنسبة للعلوم النقلية فإنه لا مجال فيها للعقل، فيما عدا أن العقل يمكن استخدامه في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول، أي النقل الكلي، فابن خلدون نفسه، يصف نتائج هذا الاستخدام التقليدي للعقل بأنها “الأدلة العقلية” المستخدمة في علم الكلام فيما يتصل بمسائل الاعتقاد[[28]].

وفي قراءته لمغزى مقابلة ابن خلدون بين “العلوم النقلية” و”العلوم الفلسفية”، يقول المستشرق (ولفسون): هذان النوعان من العلوم يحاولان استخراج شيء مجهول من شيء معلوم، أو ـ باستخدام مصطلحات الكلام ـ يحاولان استخراج الغائب من الشاهد. المجهول في العلوم الفلسفية يُسمى مطلوباً، والمعلوم فيها يُسمى مقدمة. على خلاف الحال في العلوم النقلية، حيث يُسمى المجهول فرعاً، والمعلوم أصلاً أو سنة عامة. المقدمة في العلوم الفلسفية هي معنى كلي يكونه العقل الإنساني عن طريق التجريد من الموضوعات الحسية. أما الأصل في العلوم النقلية فهو القرآن والسنة[[29]].

أصل الكلام عند ابن ميمون:

كان (ولفسون) حريصاً جداً على الاستفادة من (ابن ميمون)، فها هو يخبرنا بطريقة تشي بعمق قراءاته، كيف تناول ابن ميمون بالنقد آراء المتكلمين في دلالة الحائرين دون أن يفرد لهم كل الكتاب، وكيف أنه بدأ حديثه عن علم الكلام الإسلامي بتمهيد تاريخي كشف فيه عن جذور علم الكلام- وهي نفس الآلية التي اعتمدها (ولفسون) في كتابه هذا كما أشرت سابقاً الى المدخل الذي قدم فيه لتاريخ الكلام قبل الإسلام – لذا فهو يستند الى ما قاله ابن ميمون عن تلك المقدمات:

“كل ما قالته فرق الإسلام في تلك المعاني، المعتزلة منهم والأشعرية هي كلها آراء مبنية على مقدمات، تلك المقدمات مأخوذة من كتب اليونانيين والسريانيين الذين راموا مخالفة آراء الفلاسفة ودحض أقاويلهم، وكان سبب ذلك أنه لما عمت الملة النصرانية لتلك الملل، ودعوى النصارى ما قد علم وكانت آراء الفلاسفة شائعة في تلك الملل ومنهم نشأت الفلسفة ونشأ ملوك يحمون الدين، رأى علماء تلك الأعصار من اليونان والسريان، أن هذه دعاوي تناقضها الآراء الفلسفية مناقضة عظيمة بينة، فنشأ فيهم هذا علم الكلام وابتدأوا ليثبتوا مقدمات نافعة لهم في اعتقادهم ، ويردوا على تلك الآراء التي تهد قواعد شريعتهم.

فلما جاءت ملة الإسلام ونقلت إليهم كتب الفلاسفة، نقلت إليهم أيضا تلك الردود التي ألفت على كتب الفلاسفة، فوجدوا كلام يحيى النحوي وابن عدي وغيرهما في هذه المعاني، فتمسكوا به وظفروا بمطلب عظيم بحسب رأيهم واختاروا أيضا من آراء الفلاسفة المتقدمين كل ما رآه المختار أنه نافع له، وإن كان الفلاسفة المتأخرون قد برهنوا بطلانه كالجزء والخلاء ، ورأوا أن هذه أمور مشتركة ومقدمات يضطر إليها كل صاحب الشريعة، ثم اتسع الكلام وانحطوا إلى طرق عجيبة، ما ألم بها قط المتكلمون من يونان وغيرهم لأن أولئك كانوا على قرب من الفلاسفة.

ثم أيضا جاءت في الإسلام أقاويل شرعية خصيصة بهم احتاجوا ضرورة أن ينصروها أو وقع بينهم أيضا اختلاف في ذلك، فأثبتت كل فرقة منهم مقدمات نافعة لها في نصرة رأيها[[30]].

فمقدمات علم الكلام بحسب ابن ميمون مأخوذة من كتب اليونان والسريان الذين تحولوا إلى المسيحية وراموا الدفاع عنها في مواجهة آراء الفلاسفة التي كانت شائعة في أوساطهم، وعلى أساس هذه الرواية يكون علم الكلام قد نشأ في خضم الصراع بين الدين والفلسفة، واستخدام منذ البداية في محاربة الآراء الفلسفية التي كان يعتقد أنها تتعارض مع قواعد الدين، فالعداء بين الفلسفة والدين ومحاولات التوفيق بينهما تعود إلى ما قبل الإسلام.

وبعد المدخل التاريخي لخص ابن ميمون القاعدة الابستمولوجية التي قام عليها علم الكلام بقوله: لا اعتبار بما عليه الوجود لأنها عادة يجوز في العقل خلافها[[31]]– بمعنى أن المتكلمين لا يتبعون الظاهر من أمر الوجود وجعلونه تابعا للآراء، فهم يتأملون كيف ينبغي أن يكون الوجود حتى يكون منه دليل على صحة هذا الرأي أو لا يناقضه ، فإذا صح ذلك التخيل فرضوا أن الوجود هو على صورة كذا….. [[32]].

وهذا تقريبا ما قاله ابن رشد مع الفارق أن ابن ميمون اعتبرها قاعدة كل المتكلمين الأول من اليونانيين المتنصرين ومن الإسلام لاسيما أنه رجع بعلم الكلام إلى جذوره التاريخية التي تعود إلى ما قبل الإسلام.

وأن أول ما أخضعه ابن ميمون للفحص هو دليل حدوث العالم، فخلص إلى أنه ليس برهانا قطعيا إلا عند من لا يعلم الفرق بين البرهان وبين الجدل وبين المغالطة ومضى إلى القول بأن هذا الدليل لا يستقر للمتكلمين حتى يبطلوا الوجود كله ويلتجئون إلى مكابرة المحسوسات واعتبر أن أدلتهم علو وجود الله ووحدانيته ونفي الجسمانية عنه لا تختلف عن دليل حدوث العالم من قبل أن مقدماتها إلا اليسير منها يناقضها المشاهد من طبيعة الوجود وتطرأ عليها الشكوك[[33]]، وإن أفنوا أعمارهم في إثباتها ودفع ما يلحق بها من شكوك ودفع تناقضها مع ظاهر الوجود، ومن هنا كانت مطالبته بضرورة أن يعتبر هذا الموجود على ما هو عليه[[34]]، وبأن تستمد المقدمات من المعلوم من أمر الموجودات، واستنتج من ذلك أن من ذلك أن من يرومون الاستدلال من الوجود على ما سواه لابد لهم من معرفة صورة الوجود.

يؤكد (ولفسون) على أن ابن ميمون كان قد جمع كل المقدمات التي وضعها المتكلمون، على اختلاف فرقهم لإثبات مطالبهم الأربعة (حدوث العالم، وجود الله، الوحدانية، نفي الجسمانية) في اثنتي عشرة مقدمة، وشرح كل مقدمة وبين تبعات القبول بها وتوصل إلى أن المقدمة الأولى (إثبات الجوهر الفرد) هي التي ألزمت المتكلمين قبول مقدمة أن الزمان مؤلف من أنات ومقدمة وجود الخلاء ذلك أنهم رأوا بلا شك براهين أرسطو التي برهن بها أن المسافة والزمان والحركة المكانية ثلاثتها متكافئة في الوجود. أي إذا انقسم الآخر بنفس النسبة، فإذا كان الزمان متصلا وغير متناهي الأجزاء، فإن المسافة أيضا يجب أن تنقسم إلى ما لا نهاية من الأجزاء، فأبقوا على الزمان والمسافة غير متصلين ومؤلفين من أجزاء متناهية، أما وجود الخلاء فلأنهم رأوا فيه شرط الحركة التي تجمع الأجزاء وتفرقها. واعتبر أن عدم اتصال المسافة، الذي تقرره المقدمة الأولى يفضي إلى تقويض جميع البراهين الهندسية جزئيا أو كليا ففي حالة تنصيف الخطوط تبطل إذا كانت عدد الأجزاء الخط فرديا ولا تبطل إذا كان زوجيا، وفي حالة خواص التباين والاشتراك في الخطوط والسطوح وكون خطوط منطقة وغير منطقة وكل ما تضمنته عاشرة أقليدس [المقادير غير القياسية] وما شابه ذلك[[35]]، تبطل البراهين على الجملة، ولو صحت مقدمة وجود الخلاء لما صحت الحيل التي أوردها بنو موسى في كتاب الحيل على الرغم من أنها مبرهنة ومجربة عملي.

وبحسب (ولفسون) فقد تابع ابن ميمون عرض المقدمات الواحدة تلو الأخرى مبينا مخالفتها للواقع والحس والمعرفة العملية في زمانه غير أنه توقف طويلا عند المقدمة العاشرة التي وصفها بأنها عمدة علم الكلام[[36]]– وتنص هذه المقدمة على أن الممكن لا يعتبر بمطابقة هذا الوجود لذلك التصور[[37]]، وهو ما يعرف بمبدأ التجويز العقلي الذي يعتبر كل متخيل جائز عند العقل، وأن الموجود بدقة مقاديره وانتظام أحواله ليس سوى جرت عادة[[38]]، ويمكن أن يكون على هذا الشكل أو غيره ولفت ابن ميمون الأنظار إلى أن المتكلمين مع أقرارهم بجواز المتخيلات لم ينفوا المستحيلات مثل اجتماع الضدين في نفس الزمان والمكان، ومثل وجود جوهر لا عرض له أصلا أو عرض بدون محل في رأي بعضهم وأوضح أن ما يعتبرونها ممكنات بدعوى أنها جائزة عقليا ما هي إلا تخيلات ذلك أن العقل يفعل المركبات ويميز أجزاءها ويجردها ويتصورها بحقيقتها وأسبابها[[39]]، وقارن بين موقفي المتكلمين والفلاسفة ليخلص إلى ضروة التمييز بين المعقولات والتخيلات ، فالفيلسوف يتخذ الوجود معيارا يقاس عليه الواجب والجائز والممتنع بينما يدفع المتكلم بأن الموجود قد وجد بإرادة لا لزوم فيها ولا ضرورة وإذا فعل بهذه الصفة فيجوز أن بفعل بخلافها إلا أن يقطع التصور العقلي أنه يجوز خلاف هذا[[40]].

وقفة أخيرة:

يتلخص موقف ورأي (ولفسون) في هذا الجانب، بالقول إضافة الى المصدر اليوناني لمصطلح وموضوع الكلام الإسلامي، الى القول بوجود مقدمات يهودية ومسيحية كان لها أيضاً تأثيرها على عليه. كما اجتهد (هاري ولفسون) باحثاً ومستعرضا في مسألة تأثير المسيحية في الفكر الإسلامي، وبالتحديد في مسألة الحرية والاختيار، والصفات الإلهية، وخلق القرآن، وهي أهم أعمدة الجدل الفكري الإسلامي، مؤكدا وجود مثل هذا التأثر والتأثير حينما يؤكد: “إن كل ما قُدم حتى الآن دليلاٍ على التأثير المسيحي في هذه المشكلات الثلاث [الجبر والاختيار، الصفات الإلهية، خلق القرآن] على نحو ما وُجد في الإسلام عند القدريين، هو من أثر التعاليم المسيحية، وأن إنكار الصفات على نحو ما نجده عند المعتزلة، يمكن أن يظهر على أنه رأي يحيى الدمشقي، أو رأي الآباء على وجه العموم، وأن الاعتقاد الإسلامي بقدم القرآن، مشابه للاعتقاد المسيحي بقدم اللوغوس”[[41]].

والحقيقة أن اجتهادات (ولفسون) في هذا الجانب على الرغم مما يمكن القول بأن شائبة غرضية تشوبها، إلا أنها لا تخلو من الموضوعية أيضاً، لاسيما فيما يتعلق بالحديث عن تأثر علم الكلام الإسلامي بالفلسفات والعقائد الشرقية والإغريقية القديمة. فهناك ما يمكن الموافقة عليه مما بدا عليه موقف (ولفسون) من علم الكلام الإسلامي، في مقابل ما يمكن التحفظ عليه أو ربما رفضه، ويمكن الاستعانة هنا بآراء ومواقف بعض المفكرين العرب إزاء هذه القضية عموماً، وإزاء موقف (ولفسون) في كتابه “فلسفة المتكلمين”- وذلك على وجه الخصوص.

وحول طبيعة ومضمونات علم الكلام تستعرض (يمنى الخولي) ما تسميه مثلاً موقفاً تحليلياً جديداً، فعلم الكلام القديم- على حد تعبيرها-  يمكن أن يُنظر إليه كفرق أو ينظر إليه كموضوعات والأصح كمسائل. وتندرج في ما يمكن تسميته بموضوعات: التوحيد، والإيمان والقدر والإمامة والوعيد ثم الطبيعيات.

بيد أنها رأت أنه كان من الأجدى تقسيم علم الكلام القديم إلى جليل يبحث في”الإلهيات والغيبيات”، ودقيق يبحث في”الطبيعيات”. على أساس أن الطبيعيات لم تكن إلا سلماً للإلهيات لكن من الواضح في استدراج المفاهيم أن المتكلمين ابتدأوا من الوحي وما تضمنه القرآن للاستدلال على المفهوم ومعناه. ومن ثم فإنهم في المسائل الطبيعية إنما أقاموا بنيانهم الفكري على جملة مبادئ استنبطوها من القرآن وما نقله إليهم عن الله وصفاته وقدرته وفعله في العالم. لذلك لا ينبغي إطلاق هذه العبارة على علاتها[[42]].

وبحثاً في جذور هذا الموضوعات والمسائل، تستنتج (الخولي) “أن أبو الهذيل العلاف استعان بالمذهب الذري المعروف بالهند القديمة ومع لوقيبوس وديمقريطس والأبيقوريين”- ولكنها تضع استنتاجها هذا بدون أن تسنده بأي دليل أو تحيله إلى دراسة رصينة، بما في ذلك دراسة (هاري ولفسون) التي تضمنت الى حد كبير معظم ما طرحته (الخولي).

في حين يمكن القول هنا، بأن ثمة دراسات محكمة وجادة يمكن الركون إليها، أثبتت أن المذهب الذري الكلامي يختلف عن مثيلاته في الهند واليونان. فقد بيّن شلومو بينس في كتابه “مذهب الذرة عند المسلمين “اختلاف ذرية المتكلمين المسلمين عن ذرية الهند واليونان قائلاً: “من الواضح أن القول بالتشابه بين مذهب الجوهر الفرد عند المسلمين ونظيره عند اليونانيين ينبني في الحقيقة على مجرد التشابه بين المذهبين من حيث الاسم”. – ويستمر شلومو في تحليله لهذه النقطة، قائلاً:  “الإجابة على هذا التساؤل بشأن تأثير الهند في مذهب الجزء عند الإسلاميين لا تتجاوز هذا: إنه وإن كان ينبغي ألا نرفض، بلا بحث، افتراض هذا التأثير معتبرين أنه مستحيل، فإن حالة معارفنا لا تسمح لنا بأن نجيب في أمره بقول إيجابي جازم، وآخر ما يقال في المسألة أن الأمر غير واضح”[[43]].

لكننا نجد أن (هاري ولفسون) في كتابه “فلسفة الكلام”- يسحب الذرية الإسلامية إلى أصل يوناني، في الوقت نفسه الذي يقر فيه صراحة باختلاف صفات الذرة عندهم عن التي عند اليونان إختلافاً جوهرياً. هذا فضلاً عن أن مذهب الذرية الإسلامي يتخذ من الجوهر والعرض ركنين متكاملين للذرية مما لا يوجد له مثيل لدى مذاهب الذرة عند الهند واليونان.

وفي نفس موقف (ولفسون) نجد أن (الخولي) تعمد الى نصب المسألة – حسب تقديرها- من حيث تفتقر أطروحتها في هذه المسألة الى الموضوعية أو الاستناد المرجعي الموثوق به، وبحيث يمكن القول أنها وقعت بالفعل في خطأ التقدير حين قالت بأن المتكلمين ضحوا بالطبيعة في سبيل إثبات وجود الله وصفاته، و”إنهم رفضوا النظرية الضوئية في الإدراك البصري حرصاً على تفسير السمع والبصر في الله بلا حاسة أو شعاع أو شيء”.

إن هذا القول يغفل بالأساس عن النواحي التاريخية وعن الواقع المعرفي في العلوم الطبيعية لدى المتكلمين والعلماء المسلمين الذين عنوا بالطبيعيات، إذ لا يمكن إغفال تلك النواحي وقد أدت لاحقاً – على سبيل المثال – الى  تطور البصريات على يد ابن الهيثم وغيره[[44]]– فأين تكمن المشكلة؟!.

الحقيقة أنه لا يمكن إنكار أو تجاهل أن المشكلة تكمن بدرجة أساسية في كون بعض المصادر قد عمدت الى تشويه أقوال المتكلمين في الكثير من المسائل الكلامية – لاسيما في هذه المسألة بالذات-  فتسحب الكلام في الجليل على الكلام في الدقيق كما فعل البعض قديماً. ومن ثم فإنه وبنظرة موضوعية ومنصفة يمكن إدراك أن المتكلمين لم يهملوا أو يدمروا الطبيعة بل وصفوها لإثبات الله، فكان هذا هو مسارهم البرهاني والذي كانت له متطلباته التاريخية. أما موضوع العلّية والسببية الذي كثيراً ما هوجمت فيها أفكار المتكلمين من معتزلة وأشاعرة وتتهمهم – وبخاصة الأشاعرة- بنفي النظام في الطبيعة ونفي الأسباب والعلل تحذو فيه حذو كثير من مؤرخي وشارحي الفكر العربي الإسلامي من المستشرقين أو تلامذتهم أو أتباعهم دونما دراسة دقيقة لهذه المسألة ودونما بحث دقيق في مقاصد المتكلمين منها. ودونما تمحيص حتى لموقف المعرفة العلمية المعاصرة منها. وكثيراً ما يلجأ هؤلاء إلى اجتزاء قول هنا أو هنالك لأبي حامد الغزالي، خصوصاً من كتبه المكتوبة للعامة مثل “إحياء علوم الدين”أو كتاب “المنقذ من الضلال” لكي يدللوا على سفه الأشاعرة  وفكرهم “التدميري” على حد تعبير (الخولي) وعلى نحو ما بدا لنا موقف (ولفسون) [[45]].

وعلى نحو مماثل، ينسحب الأمر على مسائل أخرى من مسائل علم الكلام، ففيما يتعلق – مثلاً- بـــ “مبدأ الخلق المستمر “أو”الخلق المتجدد”، نجد رفضاً أو هجوماً على القول بالتجدد دونما أسباب أو أدلة. هذا الموقف يبدو واضحاً في تحليلات (ولفسون). وغالباً ما تكون من هذه الرؤية الاستشراقية منطلقاً للدعوات المتتالية إلى القطيعة مع الفكر الكلامي، بل ومع الموروث الفكري والفلسفي والحضاري الإسلامي كله برمته.

إن تسمية (ولفسون) لكتابه “فلسفة المتكلمين” فيها خلط جائر بالأساس وهو خلط له غايته الغرضية أيضاً، فالقول بأن الفلسفة الإسلامية نتاج تطوري عن علم الكلام فيه مغالطة وفيه تلبيس واضح، كونه قائم على تجاهل الحقيقة التاريخية والمعرفية التي يمثلها كتاب أبي حامد الغزالي “تهافت الفلاسفة” وكتاب ابن رشد “تهافت التهافت” وما مثلاه من صراع بين الفلاسفة والمتكلمين. وسنجد أن مثل هذه النقطة ستظهر ارتباكاً أو ربما تناقضاً في بعض تفسيرات (ولفسون) اللاحقة.

بيد أننا وجدنا أن (هارى أ. ولفسون) مع غرامه بالمنهج التاريخي في دراسته للمشكلات الكلامية الست (مشكلة الصفات، والقرآن، وخلق العالم، والمذهب الذرى، والعلية، الجبر والاختيار) التي اختارها لكي يتناولها في دراسته الثرية “فلسفة المتكلمين” مقارنا جذور هذه المشكلات بالكلام المسيحي أو اليهودي أو بالنظريات الفلسفية السابقة على الإسلام، إلا أنه انتهى من دراسته إلى أن الكلام الإسلامي قدَّم جديدا في علاج هذه المشكلات الكلامية، وقد رصد هذا الجديد في الفصل التاسع والأخير من كتابه[[46]].

وهذا يعني أن القيمة الكبيرة لهذا العمل القيم والثري، لا يجب أن تعمى معها العيون على حقيقة أن صاحبه إنما سعى لخدمة قناعاته وأيديولوجيته التي ينتمي إليها، وأن ما من سبب أقوى من هذا لتوخي الحذر الشديد في التعامل مع أرائه ومواقفه المبثوثة في كتابه ذاك نفسه.

***

  • الهوامش:

[[1]]- هاري أ. ولفسون (Harry Austryn Wolfson) (1887-1974) مؤرخ لفلسفة العصور الوسطى اليهودية والإسلامية. ولد في روسيا البيضاء سنة 1887. وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1903، وتعلّم في جامعة هارفرد (في مدينة كمبردج ضاحية بوسطن). ومن سنة 1912 إلى سنة 1914 قام برحلة دراسية إلى أوروبا. وفي سنة 1915 عيّن مدرساً في جامعة هارفرد، ورقي فيها أستاذاً في سنة 1920 للأدب العبري والفلسفة اليهودية، كما أنه بين عامي 1923 و1925 كان يلقي دروساً في المعهد اليهودي للديانة. واستمر أستاذاً عاملاً ثم متقاعداً في جامعة هارفرد حتى وفاته في سنة 1974 [ ].

لقد قضى هاري ولفسون ستة وستين عاما من عمره في جامعة هارفرد، كطالب دراسات عليا، ومدرس، وأستاذ فخري، من العام 1925 حتى تقاعده في عام 1958، وتابع أبحاثه ودراساته ونشر مؤلفاته حتى توفي في سبتمبر 1974، وهو في السادسة والثمانين من العمر.

أما كتابه “فلسفة المتكلمين في الإسلام”. (The Philosophy of the Kalam) فيعد من أهم وأبرز الكتب التي تنتمي الى الجهود الاستشراقية المعاصرة، وهو الكتاب الأخير لهذا المستشرق الشهير. ويشمل الكتاب مقالات في مقدمة في تاريخ علم الكلام– صفات الله– طبيعة القرآن– الخلق– مذهب الجزء الذي لا يتجزأ– العِلّية– الجبر والاختيار– خاتمة في تكوين لاهوت نظري توحيدي– مذهب التثليث عند النصارى وتأثيره في علم الكلام الإسلامي. ويقع هذا الكتاب في 800 صفحة، وقد طبعته جامعة هارفارد سنة 1976، وقد قام بترجمته الى العربية مصطفي لبيب عبد الغني ونشره المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة سنة 2005، وهي الترجمة العربية الوحيدة لهذا المصنف الموسوعي الضخم.- أنظر: عبد الرحمن بدوي: موسوعة المستشرقين. ص 623 – 624.- وأنظر أيضاً: هاري أ. ولفسون:  فلسفة المتكلمين في الإسلام، ترجمة: مصطفي لبيب عبد الغني، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2005.

وأيضاً مقدمة الناشر في:

Harry Austryn Wolfson, the philosophy of the kalam, Harvard University Press 1976.

[[2]]- للمزيد بهذا الشأن أنظر: هاري أ. ولفسون:  فلسفة المتكلمين في الإسلام، ترجمة: مصطفي لبيب عبد الغني، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2005. 1/ 95 – 113.

[[3]]- أنظر: علي الشابي: مباحث في علم الكلام والفلسفة ، ط 2، دار المدار الإسلامي، بيروت،2002. ص18. وأيضاً: علي سامي  النشار: الفكر الفلسفي في الإسلام، الطبعة التاسعة، دار المعارف،القاهرة. 1/ 48.

[[4]]- الشهرستاني: الملل والنحل، مصدر سابق. 1/ 360.

[[5]]- لمزيد من التوسع حول أدوار علم الكلام وتاريخه: هاري أ. ولفسون: فلسفة المتكلمين. 1/40-93.

[[6]]- انظر بخصوص الجدل مع أهل الكتاب وأصحاب الملل والديانات وأثره في نشأة علم الكلام وتطوره: هاري أ. ولفسون، فلسفة المتكلمين. 1/ 115 – 133- وقد أشار إلى أن كل المؤرخين عموما يشيرون إلى هذه التأثيرات، وإن كان بعضهم قد نفى ذلك خاصة عند المتكلمين الأوائل.

[[7]]- لُقب أبو يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي بـ”فيلسوف العرب” لأنه أول من اشتغل بالفلسفة من ذوي الأصول العربية. ازدهر في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي. كان في بدايته معتزلياً. شارك في تهذيب الترجمات الفلسفية عن اليونانية وعن السريانية. يمثل على وجه العموم المغادرة من الكلام إلى الفلسفة.

[[8]]- للتوسع في رؤية ولفسون حول هذه المسألة، أنظر: هارى أ. ولفسون: فلسفة المتكلمين، المرجع السابق. 1/ 37 – 41، 1/ 42- 113.

[[9]]- أنظر: المرجع السابق نفسه. 1/ 115 – 133.

[[10]]- يحتوي القسم الأول على الأحكام الإلهية التي تحدد تكاليف أبدان المسلمين وهذا هو الفقه. هو مصطلح يفيد في معناه الأصلي الفهم والمعرفة، واستخدم في أول الأمر بمعنى محدود هو الاجتهاد، أي استعمال الرأي الخاص لتقرير مسائل شرعية في غياب أي سابقة تنطبق على الحالة موضوع المسألة، لكنه اكتسب فيما بعد المعنى الأشمل للدلالة على التشريع الإسلامي القائم على: القرآن، السنة، القياس، الإجماع. أما القسم الثاني من التكاليف يتعلق بالإيمان الذي يُعرف بأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان. ويتكون من عقائد ست تقررت في الدين تبعاً لحديث النبي نفسه حينما سُئل عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورُسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. مُناقشة تلك العقائد الإيمانية هي التي تُشكل “علم الكلام”.- أنظر: هاري أ. ولفسون: المرجع السابق نفسه. 1/ 37- 55.

[[11]]- انظر مثلاً هذه الآيات القرآنية: “ليس كمثله شيء” [الشورى: 11] و “لم يكن له كفواً أحد” [الإخلاص: 4]. حيث يرى (ولفسون) في المقابل على وجود تناقضات في القرآن الكريم، نكتفي بالإشارة الى موقفه هذا، دون التوغل أكثر في مناقشة هذا الرأي، ولمن أراد التوسع فعليه بالرجوع الى كتاب (ولفسون) نفسه.

[[12]]- لفظ “مبتدعة” (Innovators) الذى يصف ابن خلدون به كلاً من غلاة المشبهة وأولئك الذين استخدموا صيغة “جسم لا كالأجسام” ربما بدا لأول وهلة أنه مستخدم هنا بمعنى “هراطقة” (Heretics) لأن لفظ بدعة (Innovation) يستخدمه من بعد ـ وبالمعنى الخاص للهرطقة ـ في الاشارة إلى المعتزلة. غير أنه، وبسبب تبني الحنابلة مؤخراً لصيغة “جسم لا كالأجسام” وورود هذه الصيغة أيضاً على لسان الأشعري، يتضح تماماً- بحسب (ولفسون)- أن ابن خلدون يستخدم ببساطة لفظ “مبتدعة” هنا للدلالة على أولئك الذين استحدثوا شيئاً جديداً. ويتضح من هذا فيما يرى ولفسون أيضاً، تبعاً لما نعرفه من ابن خلدون، أن صيغة “جسم لا كالأجسام” قد استُخدمت لدى البعض من أهل السنة في معارضتهم للتشبيه الصريح وذلك قبل استخدامها عند هشام بن الحكم الشيعي الذى كان يقول بالتشبيه الصريح.

[[13]]- المستشرق الايطالي (كرلو الفونسو نلينو)، قال عنه عبد الرحمن بدوي في موسوعته بأنه مستشرق يحظى بمكانة ممتازة لا يدانيه فيها غير (جولتسيهر) و(نلدكه)، وقد امتاز (نلينو) ببحوثه التحليلية الدقيقة وسعة اطلاعه على مختلف المسائل الإسلامية والعربية.

[[14]]- الشهرستاني: الملل والنحل، مصدر سابق. 1/ 320.

[[15]]- المنطق الأرسطي في صميمه معني قبل كل شيء “بالطبيعة” الثابتة لا “بالفيزيقا” المتغيرة. هو معني “بالأنواع” من حيث ماهياتها الأزلية التي لا تتغير بتغير الظروف وتغير الأفراد. فالإنسان مثلاً ـ من حيث هو ماهية ثابتة ـ هو موضوع العلم، وأما الأفراد الذين يجيئون يذهبون فلا يتعلق بهم علم يقيني، وإذن فليسوا مما يعنى به المنطق. وحتى إن ذُكر فرد من الأفراد، فلا يُذكر من حيث هو فرد قائم بذاته، بل يُذكر من حيث هو حقيقة جزئية تتمثل فيها حقيقة النوع، ولذلك لا يجوز في المنطق الأرسطي أن تُعرف فرداً، لأن التعريف ينصرف إلى النوع وحده، والتعريف هو الصورة التي يتمثلها الجوهر باعتباره موضوعاً للمعرفة، ولو كملت لك تعريفات الأنواع كملت لك المعرفة بالوجود كله. من هنا تتضح لنا- بحسب نقد (جون ديوي) له- بعض الجوانب الرئيسية في المنطق الأرسطي، فأولاً: ليست صور ذلك المنطق صورية، لأنها ليست بمعزل عن الكائنات الحقيقية التي منها تتألف المعرفة العلمية. ثانياً: تتألف المعرفة في صورها المنطقية من التصنيف والتعريف، فإذا صنفنا الكائنات القائمة في الطبيعة أنواعاً، ثم عرفنا كل نوع بماهيته، كملت معرفة الكون. وثالثاً: ليس هنالك مجال لمنطق يعنى باختراع الجديد، إذ أن حقائق الأنواع كلها قائمة في نسق كامل مغلق، وكل ما نستطبعه هو أن نكشف عما هنالك، وهذه هي مهمة التعلم، فما التعلم إلا أن يظفر المتعلم بما هو معلوم من قبل ـ كالتلميذ حين يتعلم ما قد كان من قبل معلوماً للمعلم، أو ما قد كان من قبل معروضاً في كتاب. فمهمة الباحث هي أن يطوي الأفراد الجزئية تحت النوع الذي يتمثل فيها بماهيته، ثم يحاول أن يحدد تلك الماهية تحديداً عقلياً، وهكذا لم يكن لاختراع الجديد مكان، ما دام الأمر كله مقصوراً على وقوع الإنسان على شيء كان موجود بالفعل. وهكذا كانت الصلة وثيقة بين المنطق عند أرسطو وبين مذهب اليونان في حقيقة الكون. على أية حال، أهم ما في المنطق عند أرسطو فيما يرى الفيلسوف (جون ديوي) هو الاستدلال القياسي(syllogism)، وقد بناه أرسطو على أساس فلسفته الوجودية التي كانت تجمد الأنواع في ماهيات ثابتة. وإذا كان أمرها كذلك، كنا إذا وصفنا ماهية نوع ما في المقدمة الكبرى، ثم ذكرنا في المقدمة الصغرى نوعاً يندرج تحت النوع الأول، جاءت النتيجة بأن النوع المشمول بشترك مع النوع الشامل في جوهره. للمزيد عن المنطق الأرسطي ونقده-  راجع: جون ديوي: المنطق: نظرية البحث، ترجمة زكي نجيب محمود، دار المعارف، مكتبة الدراسات الفلسفية، القاهرة، 1960.

[[16]]- أبو الهذيل العلاف (752- 840م): هو شيخ المعتزلة البصريين. أخذ الاعتزال عن “عثمان الطويل” أحد أصحاب “واصل بن عطاء”. اطلع على الفلسفة اليونانية وتأثر بها واقتبس من أقوالها. بدأ مذهب المعتزلة يصطبغ معه بصبغة فلسفية. ذاعت شهرته في مجادلة الخصوم، وعُرف عنه أنه يقطع الخصم بأقل الكلام.

[[17]]- النظام (ت: 845م): هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البلخي، أعظم شيوخ المعتزلة وأغزرهم إنتاجاً وأكثرهم تعمقاً في دراسة الفلسفة. خلط كلام الفلاسفة يكلام المعتزلة. يري البغدادي صاحب “الفرق بين الفرق” أنه أخذ أكثر أقواله من الثنوية والسُمنية وجماعة من الفلاسفة. انفرد النظام بمسائل تخصه منها نفي الجزء الذي لا يتجزأ وقوله “بالطفرة” و”بالكمون” في تفسيره لطبائع الأشياء. كما قال بنظرية في الخلق المتجدد للعالم على الدوام.

[[18]]- ابن خلدون: المقدِّمة ، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ص 458.

[[19]]- وهي قضية (القرآن مخلوق أم غير مخلوق)- حيث يصور (ولفسون) أن ما حدث هو أن البحث فيما يراد باتصاف الله بالكلام أصبح موضوعاً له خطره في باب الجدل، حتى أفضى ذلك آخر الأمر إلى قضاء الهيئة الحاكمة على المعتزلة، أولئك الذين ذهبوا إلى القول بأن الكلام إذا كان صفة لله فلابد أن يكون أزلياً قديماً موجوداً قبل العوالم كلها، وإلا فإن الله إذا كان قد تكلم في الزمان فقد مسه سبحانه وتعالى التغيير وصار ما لم يكنه من قبل. ولا يجوز أن تحمل الاستحالة على الله، وعلى هذا فان الكلام إذا كان صفة لله وكان القرآن تسجيلاً لهذا الكلام، فلابد أن يكون على هذا الاعتبار قديماً لأنه كلام الله.- للتوسع في موضوع “المحنة” من وجهة نظر المستشرقين، راجع: ألفرد جيوم: الفلسفة والالهيات، في مجموعة من الباحثين، ترجمة حسين مؤنس وآخرين، تراث الاسلام، المركز القومي للترجمة، المشروع القومي للترجمة، سلسلة ميراث الترجمة، العدد رقم 1107، القاهرة، 2007. 1/ 280 – 284.

[[20]]- ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق. 1/ 340.

[[21]]- المصدر السابق نفسه. 1/ 342.

[[22]]- أنظر: الشهرستاني: الملل والنحل، مصدر سابق. 1/ 320.

[[23]]- أنظر: المصدر السابق نفسه. 1/ 344.

[[24]]- راجع: هاري أ. ولفسون: فلسفة المتكلمين، مرجع سابق. 1/ 76-85.

[[25]]- ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق. 1/ 352.

[[26]]- ـأنظر :المصدر السابق نفسه. 1/ 269 – 275.

[[27]]- راجع: تقي الدين المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المعروف بخطط المقريزي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418ه. 1/ 107.

[[28]]- راجع: ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق. 1/ 249- 250.

[[29]]- أنظر: هاري أ. ولفسون: فلسفة المتكلمين. مرجع سابق. 1/ 90-91.

[[30]]- أنظر: ابن ميمون: دلالة الحائرين، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2002. ص180-181.

[[31]]- المصدر السابق نفسه. ص 182.

[[32]]- المصدر السابق نفسه. ص 182.

[[33]]- المصدر السابق نفسه. ص 181- 182.

[[34]]- المصدر السابق نفسه. ص 185.

[[35]]- أنظر: ابن ميمون: دلالة الحائرين: المصدر السابق نفسه. ص 197- 198.

[[36]]- المصدر السابق نفسه. ص 199.

[[37]]- المصدر السابق نفسه. ص 207.

[[38]]- المصدر السابق نفسه. ص 196.

[[39]]-المصدر السابق نفسه. ص 207.

[[40]]-المصدر السابق نفسه. ص 210.

[[41]]- المرجع السابق. 1/ 153.

[[42]]- أنظر: من منظور فلسفة العلوم: الطبيعيات في علم الكلام من الماضي إلى المستقبل، دار الثقافة بالقاهرة ، 2008. ص 71.

[[43]]- أنظر: المرجع السابق نفسه. ص 76.

[[44]]- أنظر: المرجع السابق نفسه. ص 77- 80.

[[45]]- أنظر: المرجع السابق نفسه. ص 76.

[[46]]- أنظر: هارى أ. ولفسون: فلسفة المتكلمين، مرجع سابق. 2/893-915.

التعليق من فيس بوك

1

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (2 صوت, بتقييم: 4.00 من 7)
Loading...

عن الكاتب

فكري آل هير
كاتب وباحث من اليمن