إشكالية كتابة التاريخ بين الجدل الديني والتوجيه السياسي عند ابن خلدون

إشكالية كتابة التاريخ بين الجدل الديني والتوجيه السياسي عند ابن خلدون

إشكالية كتابة التاريخ بين الجدل الديني والتوجيه السياسي عند ابن خلدون

12734231_874722772647442_3779898379531821540_nفكري آل هير

منذ اللحظات الأولى التي بدأ فيها تفكير المسلمين ببناء الدولة، بدأ صدام المكون الديني مع المكون السياسي، كان أول مظاهرها اجتماع السقيفة عشية وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حروب الردة ومقتل عثمان ووقائع الفتنة الكبرى، ومن بعدها تحول الخلافة الى نظام ملك جبري، ومنذ ذلك الوقت صارت جدلية الدين والسياسة هي المحرك الاجتماعي- التاريخي لذلك الكيان الذي تماهى كدولة مع الإسلام في إطار مسميات عديدة “الخلافة الاسلامية، الدولة الإسلامية… الخ. وهو الكيان نفسه الذي سيتولى المؤرخون المسلمون مهمة كتابة تاريخه وانتقالاته.


إن الحديث عن جدلية الديني والسياسي، هو ذلك النقاش ذو الطابع الجدلي بين قطبين أو أقطاب تمتطي في حراكها الجمعي – الفكري على صهوة البحث عن أو رسم حدود العلاقة بين الدين والسياسة- نقاط التماس ونقاط الانفصال بينهما، وهي ذاتها الإشكالية الجدلية التي تنطلق من محاولات اتسمت بالتعددية والتباين والتصادم غالباً في اتجاه رسمنة أو شرعنة نموذج للعلاقة بين الحاكم والفقيه، تلك الإشكالية التي يرى البعض أنها تخص التاريخ الإسلامي وحده والمجتمعات الإسلامية وحدها، والحقيقة أنه حديث معقد جداً لناحية مسائله المتشابكة، وطويل لناحية مضامينه ومراحله التاريخيــــــــة[[i]].

يمكن أن نلمح وببساطة شديدة كيف ان انقسامات المسلمين الى فرق ومذاهب وطوائف بقدر ما تبدو ذات طابع شرعي وفقهي أو عقيدي حتى، إلا أنها لا تستطيع أن تخفي انغماسها الشديد في بؤرة الخلاف الأصل، حول نموذج التطبيق الاسلامي للفرد والمجتمع والدولة، وكل تيار يرى أنه يسترشد بالقرآن وبالآثار والسنة النبوية، فنجد أن تبعات الفتنة الكبرى حملت أعبائها دوماً ظهور المسلمين جميعاً، في الثنائية التي جسدتها على صدر العموم جماعتي السنة والشيعة، حيث تظهر الخلافات حول منظومة الدولة الاسلامية الافتراضية وشرعية الدولة القائمة، وهي قضية صراع حفل بها التاريخ الإسلامي، عبر سلسلة طويلة من الكتابات التاريخية، التي اتخذت اطواراً عدة تباينت فيها الدوافع والأغراض والمجالات والموضوعات والمنهجيات.

موجز الأمر، أن المؤرخ بطبيعته يظل أسيراً لجدلية أخرى تدور رحاها بين قطبي الذاتية والموضوعية، إذ لا يمكن فصل شخصيته وفكره عن واقعه أو عما يكتبه على أنه تاريخ، ومن ثم فإننا نتوقع بأن يتداخل الأمر ويتكاثف على نحو عميق، حينما تضاف إليه علل انتماء المؤرخ وتبعيته أو موقفه الايديولوجي، بين ما هو عقائدي مختلف فيه من جهة الدين وما هو سياسي براغماتي متصارع عليه من جهة السلطة.

لقد أشار ابن خلدون في رؤى فكرية ونقدية يمكن اعتبارها متقدمة وسابقة عصرها، أن استقواءً متبادلاً كان حاصلاً – ولازال- في الواقع، بحيث بدا الأمور مكوناً لقطبية وظيفية تبطنت فيها الرؤى السياسية بمكونات اجتماعية قائمة على العصبية والنزعة المركزية بين الطامحين الى السلطة وأولئك الذي يعتقدون أنهم الحراس الشرعيين للمسار الدعوي والرسالي الديني، ومن حيث يرتدي ظاهر الفئة الأولى حلة الدين في اخفاء ما هو سياسي – دينوي، ارتدى الطرف الآخر حلة سياسية سلطوية تستمد مضمونها من التقعيدات الفقهية والشرعية القائمة على نتائج فهم النصوص المركزية وتأويلها والاجتهاد في تطبيق معانيها وتحويلها الى واقع[[ii]].

لقد تشكل نمط العلاقة بين السلطة السياسية والدينية في مسارات استقطاب أحادية (تحالفية) غالباً ما تكون في جانب من الواقع طرفاً سائداً، وفي المقابل هناك طرف آخر معارض وثائر وله نظريته الأخرى، هنا تداخلت المكونات الدينية والمعرفية مع بعضها البعض الى حد التوظيف للاحق بخدمة السابق، وتوظيف السابق لخدمة السلطة، أو الخروج عليها، فعلى سبيل إن هذا الإلحاح في الجمع بين الرياسة الدينية والرياسة الملكية كي يقوم ويستمر بنيان الدولة، ستكرره خطابات الآداب السلطانية التي عبّرت عن جزء كبير من الثقافة السياسية الإسلامية السلطانية والأهلية في جميع العهود. لكن ليس الآداب السلطانية مثالنا الفريد، لا بل كل كتب التاريخ تكاد تلتقي عند هذه الميزة بدرجات متفاوتة.

ومن الناحية المعرفية، فإننا لا نجد في عدة قرون من بعد صعود الدولة الأموية أي أثر لعلم معني بالسياسة، لأن كل التساؤلات التي يمكن طرحها في نطاق علم مستقل بالسياسة تم الإجابة عليها – بل واحتكار الإجابة عليها- من قبل الفقه والفقهاء، لكن علم التاريخ وجدا له منفذا للعبور كعلم قائم بذاته منذ بدايات خط القلم الإسلامي على صحائف التدوين الكتابي، متزامناً في حركة علمية وثقافية شمولية تحركت فيها العقول الاسلامية من منطلقات الدين الى أهدافها في كل علوم وحقول المعرفة في عصور متتالية.

إن إشكالية جدلية الديني والسياسي تكمن في القطبية الغائية التي تتلاشى عندها المقاصدية العليا، وتسيطر فيها على مقاليد الفكر المنطقية الجدلية التي ترفض التقارب أو أن تنحو نحوه، الى حد ظلت معه حدود العلاقة بين الدين والدولة محط جدل شائك ومحفوف بالمخاطر والصراعات والحروب والانقسامات الاجتماعية على أسس مباينة ومتعارضة مع مفهوم الأمة التوحيدي والوحدوي، ثم تأتي مهمة الأدوات المستخدمة في التبرير والتذرع وربما استغني عنها بالبطش والاستبداد فرض الأمر الواقع بالسيف، لقد دخلت كل المعارف في صراع مع المنظورات الدينية التي لم تكن إلا مجرد أفهام يصعب إن لم يكن يستحيل معها أن تكون على نمط واحد، بل أن تعدديتها كانت مربع النسق التي جرت فيه كل السجالات الفكرية والاجتماعية والسياسية، على خط زمني واحد، لا يمكن الحديث عن تعرجاته بمقياس جهة على حساب الأخرى[[iii]].

لقد لعب الفقيه المسيس في كثير من الأوقات دور صانع المبررات والذرائع التي تدفع عن السلطة خطر سقوطها في دوائر الرفض الشعبي أو الثورة المضادة، على نحو يمكن أن نتصور من خلاله كيف أن تاريخ هذه الجدلية هو تاريخ نقد المشروعية إن وجد النقد، أو هو تاريخ مشروعية مبررة إن لم تكن زائفة وغير منطبقة على الأصل الديني، إنها مشروعية ولو جلد ظهرك وسجنك.. أو هي مشروعية الخروج الدوغماجي على النظام حتى لو أدى ذلك الى انهيار النظام وصنع اللانظام، كما حصل هذا في ظروف تاريخية متعددة[[iv]].

كان ابن خلدون قد ربط الدولة وخاصة في سياقها العربي بالدين، مشيراً الى أن تاريخ الدعوات الدينية يشهد بذلك التعارض بين الدين والدولة. وهو كمؤرخ وفيلسوف وفقيه وملم بعلوم عصره، رأى أن الدولة عندما تقوم على أساس ديني، فإن نظامها لابد وأن يستقل عن الدين في نهاية كل مطاف، وبالتالي فإن ميول ابن خلدون التعقلية في كتابة التاريخ دفعته الى التعقل في تفسيره، بل وفي نقده على خطوط رفيعة ودقيقة أطرها هو في خطوط عريضة، دون أن يسمح لها بالتباين عن أصولها أو التخايل بين جواهر الأحداث التاريخية ومظاهرها، لقد تحدث عن الديني المحض والسياسي المحض وأوجد فواصل بينهما، لكنه وجدها في مواطن الفكر ولم يكن من سبيل الى ترميم خدوش الواقع في شخصية التاريخ الاسلامي إلا من خلال كتابة التاريخ[[v]].

في الحقيقة أن ابن خلدون كان قد صنع ذروة اكتمال ونضوج علم التاريخ الاسلامي، ولا يمكن فصل تاريخه وتواريخ مؤرخين كثر دونه أو مقاربين له من حيث المستوى المنهجي والانتاج المضاف على سبيل النقد، فضلا عن الفواصل والفوارق المكانية والزمانية بينه وبينهم، عن الدوافع والعوامل والتأثيرات التي تشكلت من خلال ثنائية الدين والسياسة، إننا نجد هذا ملمحاً أصيلاً في كل تواريخ الأمة التي يمكن العودة اليوم إليها كمصادر، فكيف نغفل أعيننا وعقولنا عن كتب في التاريخ ومعارف أخرى كانت قد كتبت بأوامر سلطانية أو في دواوين وأروقة قصور السلطة نفسها، حيث المؤرخ قد يكون فقيها ومدفوع من قبل السلطة لكتابة التاريخ، أو قول الحقيقة كما اتفق عليها الفقيه والسلطان وامتثل لها المؤرخ، كما يظهر هذا بجلاء في كتاب التاريخ الإسلامي في العصر الوسيط الذين كانوا يفوضون من قبل البلاط الحاكم وحاشيتهم لكتابة التاريخ ليكون بمثابة برنامج ثقافي لهذه النخب وفي نفس الوقت يوفر دعاية سياسية ناهيك عن حشوها بروايات من أجل التسلية والترفيه[[vi]].

بيد أن تداخل الديني والسياسي في الفكر الإسلامي ظل بمثابة علامة فارقة وملازمة له في الأطوار الأولى لتشكله وتبلوره، أثرت بشكل كبير في توجيه الكتابات التاريخية نحو أهداف وغايات مقصودة مسبقاً، لم تأتي وليدة الأحداث والوقائع بقدر ما جاءت وليدة المواقف والاتجاهات الدينية والسياسية، حتى عند ابن خلدون نفسه، لاسيما وأن أكثر جدليات المتكلمين والفلاسفة والفقهاء والمحدثين كانت تثار بأسلوب ديني، وتخوض في مواضيع ذات طابع ديني، لكنها كانت تخفي خلفياتها السياسية من هنا جدليتها العميق. ومن ثم فإن التفكير في جدلية الديني والسياسي، ومنها الجدل حول علاقة الدولة بالدين، يقتضي الانتباه الحاد الى جوهرها السياسي، والاحتراس الشديد من الوقوع في خطأ حسبانها قضية فكرية، أو فقهية، أو تقبل الحل على مقتضى أدوات الاقناع.

وبمراجعة مصادر التاريخ في التراث الاسلامي، سنجد أن ما من حيادية مورست في هذا المجال يمكن إطلاقها على نحو من التعميم، كما أننا لا نجد موضوعية تتعالى وتترفع ولو بالحد الأدنى المقبول عن مواطأ الذاتية ورزايا الانغماس الذاتيوي المنتمي لأيديولوجية معينة في عملية التورخة والتفسير التاريخي، بل أن مهمة تفسير التاريخ من وجهة نظر نقدية يكاد يغلب عليها إن وجدت ذلك الطابع المعارض، الذي يصبح فيه التفسير جزء من عملية أخرى يتم فيها إعادة كتابة التاريخ من وجهة النظر الأخرى، وليس تفسيراً بما تعنيه كلمة تفسير، لذا فلا غرابة أن نجد أن مؤرخاً فذاً مثل ابن خلدون بقدر ما اعتبر ناقداً لاتجاهات الكتابة التاريخية السائدة حتى عصره، بالقدر الذي نجد أنه هو نفسه لم يلتزم في أغلب الأحوال بمنهجه النقدي.

ربما يتضح هذا الأمر في تصنيف ابن خلدون لنموذج السلطة من حيث معقوليتها وواقعيتها الى صنفين، يتمثل الأول بنموذج سلطة سياسية عقلية، في مقابل النموذج الآخر لسلطة الخلافة السماوية والشرعية، وعلى الرغم من أنه انحاز الى حد ما الى جانب النموذج الأول معطياً إياه صفة المعقولية والواقعية، التي قال بأنها كانت غائبة عن النموذج الإلهي من حيث التطبيق القائم، إلا أنه يعود وينتقد نموذج السلطة العقلية لأنه ابتعد عن معقولية الاهتمام بالحياة الأخرى، ليعود ويقول بأن نموذج الخلافة هو الأنسب من حيث امكانية تحقق ذلك التعادل والتوازن بين كفتي الدين والدنيا فيه ومن خلاله، وفي نهاية المطاف سوف يعلي ابن خلدون من قيمة الشريعة الدينية كأساس تقوم عليه السلطة[[vii]].

وهكذا، فإن جدلية الدين والسياسة ظلت محركاً نافذاً من محركات الكتابة التاريخية، ولم تسمح لها حتى بالخروج عن نطاقها، الأمر الذي أعاق دوماً أي توجه لكتابة التاريخ من خلال طرح مقتضيات التغيير أو رسم معالمه الممكنة والمطلوبة، وهو ما أدى في كل الأحوال الى بقاء معضلات الانتقال ومعوقات التحول محمولة دوماً على نسق الفكر والفعل التاريخي، في حين ظل التغيير كمطلب أو كحدث مجرد عنوان هامشي لا أثر له ولا هم يحزنون!!.

***

[[i]]. أنظر: كوثراني، وجيه: الفقيه والسلطان – جدليّة الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين: العثمانية والصفوية – القاجارية، الطبعة الثالثة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2001. المقدمة

[[ii]]. المرجع السابق، المقدمة.

[[iii]]. السيف، توفيق: نظرية السلطة في الفقه الشيعي المركز الثقافي العربي، المغرب، 2002. ص35.

[[iv]]. لقد اشتهر العلماء المسلمين بالثقافة الموسوعية، حتَّى إن بعضهم تمرس في دراسة الكثير من المعارف الدينية والدنيوية في آن، إلى جانب علوم اللغة والأدب والتاريخ, وفي هذا الإطار أدرك هؤلاء العلماء حقيقة وحدة المعرفة، ومن ثم الوقوف على الصلات والوشائج التي تربط بين حقول معرفية متعددة ومتنوعة, وهو ما أسفر عن إبداعات وابتكارات ما كان لها أن تتحقق عن طريق التخصص الدقيق.- أنظر: الصغير، د. عبد المجيد، المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية.. قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة، الطبعة الثانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب –القاهرة، 2010. ص 22.

[[v]]. روبنسون، جيسي: البلاط والمجتمع الإسلامي وعلم التأريخ: دراسة في سوسيولوجيا الكتابة التاريخية عند المسلمين، ترجمة: عبدالجبار ناجي، المركز الأكاديمي للأبحاث، 2014. ص 99.

[[vi]]. المرجع السابق، ص 78.

[[vii]]. راجع أكثر: نصار، نصيف: الفكر الواقعي عند ابن خلدون، تفسير تحليلي وجدلي لفكر ابن خلدون في بنيته ومعناه، الطبعة الثالثة، دار الطليعة، بيروت، 1994.

التعليق من فيس بوك

Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (1 صوت, بتقييم: 1.00 من 7)
Loading...


عن الكاتب

فكري آل هير
كاتب وباحث من اليمن