معركتي مع الزمن

معركتي  مع  الزمن

إعتدت أن أستيقظ  كل صباح أجد  نفسي  في  محيطي  أو بالأحرى  في مكاني  الذي  نمت فيه ، تعلمت  بحكم  العادة تناول  وجبتي  الصباحية  والخرج  كبقية  خلق الله  للدخول  في  معركة  حامية  الوطيس  مع  الزمن  وجنوده  من  الناس  .

 

تدق طبول الحرب بدءا  من  الساعات  الأولى  من النهار  ولا تنتهي  إلا مع  حلول  الظلام  حيث  إستراحة  محارب  في النوم  على  أساس  مواصلة  معركة  الكفاح  في اليوم  الموالي .



 

هي حرب  روتينية  أزاولها  كل  يوم  في  سبيل  الدفاع عن حدودي  والبقاء في الوجود  ،  فالزمن  لن يرحمني إن  تقاعست  فيها  أو فكرت  في التخاذل  عنها  ، حيث  سيرميني الى هامش  الحياة  في  دور  المتفرج على المعركة .

 

كانت  معاركي اليومية  قدري  الحتمي   الذي  لامفر  لي  منه  ، لكنها  تبقى  سجالا   مع  خصمي  الزمن ،  وهو يملك  من  الأسلحة  مالا  يحصره  العد ، بينما  لا أتوفر  إلا  على  النزر  اليسير ، الذي  يكفيني بالكاد  ليوم  واحد فقط  وعلي  تجديده  في  إستراحة  المحارب  لبقية  المعارك ،  لعلي أظفر  بها  وتعفيني  من  التسلح  مرة  أخرى لأدخر  سلاحي  للقادم  من الأيام   لمواجهة  خصمي  الذي  لاينفذ   مخزونه .

 

تتوالى  حروبي  اليومية  مع  الزمن  أنتصر في بعض الأحيان إن  حققت  متطلباتي  التي  خرجت  من أجلها  بأقل التكاليف  الممكنة بالمقابل  تعظم  خسائري إذا  قفلت  نحو استراحتي  وأنا  خاوي  الوفاض  .

 

إنها  حرب  وجودية  تستنزفني يوما  بعد يوم  وتهد نفسيتي  كلما  طالت أيامي وأستوفيت  القسم  الأكبر  من زماني .

تابعت  معركتي  لسنين  طويلة  أحارب  وأستريح  فأنتصر  في  القليل  منها  وأخسر أكثرها  حيث   أجدد الشحن  الدائم  للهمم

لأستطيع

مواصلة  السير في الطريق  المحفوف  بالمخاطر حاملا  سلاحي

لعلي أظفر بالنصيب الأوفر من معركتي  الشرسة  مع  الزمن

فهي  طبعا  حربا  غير متكافئة بين  خصمي الذي يمثل  فيلا  بينما  يحسبني  نملة  يتركها  تتربص  كيف  تشاء  دون  أن يعيرها أي اهتمام .

 

لم أفهم السبب  الذي  جعل  الفارق بيننا  كبيرا  الى  هذا  الحد ، فكيف  ستكون  المعركة  متكافئة  مع  الخصم وهو يمتلك من الأدوات  والأسلحة  ما أعجز عن  حيازته ، كما أنني   مجبر  على النزال  وليست  أسلحتي بتلك  الفعالية  حتى  تحقق لي  مبتغاي  فصلاحيتها تبدأ  في  التقادم  كلما  تقدمت  بي  الأيام  ناهيك عن مجهودي  الذي

تتلاشى   قيمته  مع  توالي  السنين  .

 

ورغم ذلك  واصلت  تجديد  ترسانتي  إستعدادا  للنزالات  اليومية

 

لكن  التعب بدأ  ينتابني  والنتائج التي  حققتها  في الميدان  لاتساوي شيئا  مع المجهود الذي بذلته  في سبيلها، ولازال أمامي  القليل من الوقت  بالمقابل  تنتظرني  الكثير  من الحاجيات غير منجزة  وتحتاج  للمزيد  من  المعارك الضارية  التي  لم يعد لي  جهدا  كبيرا  لخوضها .

 

واصلت  المسير رغما  عني، فكانت  نجاحاتي  في  الميدان  على  قلتها  تشكل لي  حافزا  أو  وقودا  يساعدني  على  المضي  قدما  وأنا  مزهوا  بنفسي ، بالمقابل  تمثل  الإخفاقات  ضربة  في الصميم  تدفعني  الى  التفكير  في  الراية  البيضاء  لعلي  أستريح  من عناء  الكفاح ، لكن  نفسي  تأبى ذلك  فتؤنبني  على  تقاعسي  المخزي لتعيد  إلي نشاطي  من جديد حتى أبقى  صامدا  في  المواجهة  مع  خصمي  الذي  ينتظر سقوطي  صريعا  في ميدان  الحياة ، فهو  لايتوانى  عن توجيه  الضربات القاضية   الواحدة تلو  الأخرى .

 

كانت  كل معركة  خسرتها  تترك ندبة  في نفسي  فتعددت  الندبات  حتى  كبرت  وتحولت الى  أثار جسدية

قللت  كثيرا  من قدرتي  على  إستعمال  أسلحتي ،  حيث  لم  أعد أشحذها  بنفس  الهمة  والنشاط ، كما  كنت في  السابق ، فبعدما  كان  الأمر  يتم  بشكل  يومي  أصبحت  أجددها  مرتين  كل  أسبوع  فقط ، وهي   البداية الفعلية  للتعب الذي أصابني  نتيجة  إصراري  المتواصل  على  الكفاح .

 

والغريب أن  خصمي لم يصيبه  أي  تغيير بعد  كل  المعارك  التي  خضتها  معه ،   لازال  على  حاله كما  عرفته أول  مرة ،  مخزونه  للمواجهة  لاينضب ،  مستعد لكل  النزالات بأنواعها   ، وفي  جميع  الأوقات  ولا يحتاج  الى استراحة  محارب .

 

أصابتني الجروح  النفسية والكدمات الجسدية  ولا زلت  صامدا  وأبدل  جهدا  كبيرا لتندمل حتى أستطيع  مواصلة  الكفاح   بعدما  أصبحت  أتلكأ  في  المسير الذي  لايبدو  أنه سينتهي  قريبا .

 

وقد أحسست يوما   بالتعب  فتساءلت   عن سبب  تمسكي  الشديد  بهذه  المعارك  بعد مضي  زمن  طويل  وأنا  أخوضها  وتسببت لي في  استنزاف  نفسي  نتيجة  الإصرار  على  الصمود  فعرفت  حينها  أنها  تساؤلات  تروم  البحث  عن منفذ للاستسلام  بغية  رفع  الراية البيضاء  للركون  للهامش حتى أعفي  نفسي  من مجاراة  خصمي بعدما  إستنفدت  جل  وسائلي  في المعارك  التي خضتها  ضده  .

 

عرفت  أن  تساؤلاتي لاتغني  عني  شيئا وأنه  لاخيار  أمامي  سوى  مواصلة  النزال  ضد  خصمي  حتى  النهاية ،  فليس  هناك شخص  سيقوم  بالمعركة  نيابة  عني ،  فكل الناس  لهم  من الهم   مع  زمانهم  مايكفيهم  ويغنيهم  عن النظر  إلي ، فبالأحرى  أن يفكروا  في خوض  معركتي  فهم منشغلون   بمعاركهم   الخاصة  ويودون  في قرارات   أنفسهم لو وجدوا  من يعفيهم  منها  ولو  لمدة  محدودة  فقط  .

 

 

بعد إستنفاذي  لكل  السبل التي  تخلصني من  نزالاتي  اليومية  والإحتكاك  الدائم  مع  خصمي ،  طرقت باب الإستسلام  حيث  رحب بي ،  فجلست أتنفس  الصعداء ، بعدما  وضعت  سلاحي  جانبا  وقد تأكل بفعل  الصدأ  نتيجة  لضراوة  المعارك.

 

إستنشقت  هواء  الخمول  والكسل لأول  مرة  ، بعدما  تركت  خصمي  الزمن  وحيدا  بالميدان  وهو ينتشي  بإنتصاره  الساحق علي  ، والغريب أن ذلك  لم  يعد يعنيني  في شيء  بعد  ولوجي  لعالم  الإستسلام  من أوسع  أبوابه .

 

وأخيرا  تخليت   عن  مواكبة الوقائع  بعدما  كنت  عنصرا  فاعلا  فيها   ولم  يعد  لي  دور  في واجهة  الأحداث  وقد  إنزويت  نحو  الجانب  السهل  من الدنيا ، إنها لغة  الإستسلام  ولعنة  الهزيمة .

التعليق من فيس بوك


تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (1 صوت, بتقييم: 6.00 من 7)
Loading...

عن الكاتب

زائر
عضويه غير حقيقيه تنسب اليها المحتوى الذى يضيفه الزوار
  • تواصل مع زائر: