قصة ما اكتملت – بقلم : محمد ممدوح

قصة ما اكتملت – بقلم : محمد ممدوح
قصه ما اكتملت بقم محمد ممدوح

blood ice photo

لم يكن المساء بعد قد أرخى أستاره الحزينة وإن كان ظلامه قد سبق أوانه فغشى كل النفوس ، فشعرت أن الدنيا حولي تبكي … كانت الساعة تتراوح ما بين السادسة والنصف والسابعة عندما أرتديت ملابسي ونزلت سلالم البيت العتيق الذي أتقوقع فيه … كان يوماً حاراً في ليلة، جحيماً لا يطاق نهاره ومع ذلك لم أسئم حياتي التي تتري أيامها متشابهة ، تماماً كأيام شهر أغسطس الحزين شهر ميلادي ذي النهار الناري والليل الأسود الكئيب … في الشارع كلما رأيت نفسي أسير فيه ولا أدري إلى أين ، رأيت الناس أمامي أشباحاً تسير بلا عينين ، والغبار يكسو كل الوجوه المتعبة التي أضناها الجوع والمرض … ولكنني هذه المرة أعلم تماماً إلى أين أسير ، ومع ذلك نفس المشهد المعتاد أراه ، فلم يغير علمي أو جهلي بوجهة سيري مما أراه شيئاً …
كنت قد وصلت تمام السابعة إلى المكان الذي تواعدنا أن نتلاقى فيه معاً … وفعلاً كانت هناك جالسة على نفس المقعد الذي تعودت الجلوس عليه كلما كان لنا لقاء ، ولكن مقعدي لم يكن أنئذ موجوداً ، فلا أدري لماذا – وإن كان هذا شيئاً عادياً بل بسيطاً – شعرت بتشاؤم وضيق مفاجئ رغم أنها كانت مبتسمة حين وقعت عيناها الجميلتان على ، وعندما اقتربت منها ازدادت ابتسامتها قائلة :-
– لماذا تأخرت يا حبيبي ؟
… نظرت مرتبكاً إلى ساعة كانت في يدي بمحض الصدفة ، فكانت كل عقاربها متصلبة عند تمام الساعة السابعة ، فقلت وكأنني أتحدث من مكان بعيد أنا نفسي لا أعرفه :- قد توقفت ساعتي ، لا أدري منذ متى ، وهي الآن تشير إلى تمام السابعة ، وما الفرق بين أي رقم تشير إليه عقارب الساعة ما دمنا معاً ؟
… كم الساعة معك الآن ؟
… لم أحاول أن أسمع منها رداً ، فقد كنت أحدق في كل ما حولي أبحث عن مقعدي الذي كتبت هي بيديها الصغيرتين عليه أسمي بينما كنت أنا أحفر أسمها على مقعدها ، لحظتئذ سمعتها تقول :-
– لم تنظر حولك هكذا ؟
– أبحث عن مقعدي …
– ضحكت وهي تقول :-
– المقاعد كثيرة حولنا ، هات أي مقعد وأجلس عليه !
نظرت إليها وكأنني أراها لأول مرة قائلاً :-
– بهذه البساطة ؟ !
بدت الحيرة على وجهها وشيء من ابتسامتها لازال مرتسماً على وجهها الذي يبدو غير مألوف لي :-
– ماذا تعني بهذه البساطة ؟
قلت وقد اعتراني اكتآبي القديم :-
– إن المقعد الذي أبحث عنه هو الذي كتبت عليه بيديك أسمي …
– ها ها !! … أتظن أن المقعدين سيظلان كما هما في نفس مكانيهما منذ أن تركناهما آخر مرة ينتظرانا ؟ ! .. أنا نفسي عندما جئت ولم أجد المقعد الذي عليه كان أسمي سحبت مقعداً آخر، أقرب مقعد وجلست عليه أنتظرك …
نظرت إليها وفي نفسى حسرة ، ثم ذهبت إلى أبعد مكان وأحضرت مقعداً آخر رغم وجود مقاعد أخرى كانت أقرب ، جلست قبالتها وكأنني أجلس لأول مرة في حياتي بعد مسيرأضناني وأرهق كل خلاياي وأعصابي … وقعت عيناني بالصدفة على وجهها … كانت تنظر إلي نظرة متأملة حالمة وعلى وجهها ابتسامة غير محددة المعنى … كنت أراها وكأنني أراها لأول مرة … شعرها الأسود الكثيف الذي تنتهي أطرافه عند منتصف خصرها الأنيق، جبهتها الصغيرة الضاحكة حتي وإن تجهم وجهها ، حاجباها الدقيقان المقوسان المتناسقان طبيعة غير متكلفة ودون أن تمسهما يد إنسان ، عيناها السوداوان المترددتان في حيرة ألقة ، أنفها الصغير البديع ، فمها ذو الشفتين الدمويتين اللتين تناديان نداء غامضاً ، نعم … كل هذا أراه وكأنني لأول مرة أراه … انتبهت من غفوتي اليقظة حينما كنت أتأمل هذا الوجه الجميل الحبيب الذي بدا لي غير مألوف حين سمعت صوتها هامساً يأتيني من بعيد متناولة يدي بين يديها الدافئتين فوق المنضدة التي تفصل كل ما بيننا محتضنة إياهما فأشعر بالبرد يجتاح كياني والجليد يغمرني :- لماذا تنظر إلي هكذا ؟ … حارت كل الدنيا داخلي ، لم أدر بم أو كيف أجيب حيث كنت أتتبع مسار هذا الإحساس الشمالي داخل كياني … أتتبعه ويزداد … يزداد، ومعه يزداد احتضان يديها يدي وتكسوني برودة هذا العالم … وأخيراً خرجت كلمات بلهاء من ثقب في وجههي غريب عني وكأنها تخرج من إنسان آخر :-
– من أنت ؟
… ارتسمت كل امارات الدهشة مستغرقة وجهها حتى انسابت دهشة وجهها تغمر المكان كله، ثم تنساب وتنساب حتى تغمر كل الدنيا ، فكنا والعالم أجمع نسبح في بحر من دهشة بلهاء فاقدة المعنى ، دهشة ممزوجة بكل أحاسيس الغربة والفقد … انفرجت شفتاها أن تتكلم ، ثم… ثم لم تتكلم … كنت أحسها تقاوم شيئاً داخلها يمنعها أن تتكلم ويدفعها إلى بئر الصمت ، فكانت تتمزق أمامي بين تناقضات وجودها لحظة أن ملكتها الدهشة … وتعاني ، تعاني آلام مخاض ميلاد الكلمات … وأخيراً أسمعها … ها هي تتكلم … ولكن ماذا ؟ أ أصدق نفسي وما تراه عيناي ؟ … أم وهم كل في وهم ؟ … تخرج من فمها أشياء حمراء بلون الدم ، بل هو فعلاً دم يخرج من فمها … دم يسيل ، يسيل ويتدفق … يسيل ويتدفق فيغرقها ويغرقني وتغرق كل الدنيا معنا … كل العالم يغرق في دماء من شفتيها تنهمر … لم أكن أدري على وجه الدقة أهذا حقيقة أم وهم كسائر أوهام حياتي ؟!… أحك عيني بيدي عساي أتحقق من صدق أو كذب المشهد … آه ، أخيراً أتحقق ، بل أظن أنني أتحقق من رؤياي الدامية … ليس ثمة دم ، نعم ، لم تكن تلك دماء ، بل شيء أخر يتشهي … ، شيء آخر أغري العالم كله أن يعدو وراءه كما يعدو الظمأى وراء سراب الوهم … شيء كذلك الذي تحكي عنه كتب التاريخ المذكورة والمنسية معاً ، ومعناه فقدان الجدوى …هذا الشيء النازف من فمها لا أصبوا إليه ، فلم تأتيني هي به ؟! لا أدري …
صارت هذه المخلوقة أمامي غريبة عني – تماماً – كما تغربت عني نفسي ، لا أفهمها ولا هي تفهمني … صار كل شيء معنا لا معنى له ، وهي لازالت تتحدث وتتحدث ويغرق العالم- في وهمي – في لون الدم الأحمر من شفتيها يسري ، فلازال يغرقها ويغرقني … نعم، الوهم أغرقني فظننت أن العالم كله غريق وإن كان ما ثم غريق غيري … والوهم معى… قلت لها بعد أن تحققت من فقدان المعنى والجدوى وكل معالم طريق الماضي وما كنت في يوم عابث أهوي :-
– كل أشياءك غير مفهومة عندي ، ألا ثم عندك أشياء أخرى ؟ …
… ضحكت وهي تقول كلمات حمراء دامية ويداها تعودان تحتضنان يدي فيسري البرد في أعماقي ويغمر الجليد المنساب من دفئها كل كياني :-
– أخبرني ماذا دهاك فتاي ؟ إني أراك اللحظة غريباً مجهولاً ، ليست هذه حالك كلما كنا في الماضي نترنم أناشيد الحب ، أناشيد السلوى …؟!…
– آه ، عفواً يا ملاكي ، ما كنت في الماضي يغرقني معك بحر الدم … ما كان الثلج من قبل يغرقني حين أكون لديك … ما كنت أتجمد من قبل ويداي تنامان بين يديك من برودة لا أعلم مصدرها على نحو يطمئنني ، نعم ، ما كنت في الماضي أتجمد … والآن ، آسفاً ، أتجمد … إنـي أتجمد … لا تدعيني أتجمد ، هل عندك أطياف أو حتى أوهام للدفء أو محراب في معبد ؟
… وتغيب هي … تغيب إلى حيث اللا أين فلا أدري شيئاً وأنا … أنا لازالت في مكاني … ولكن شيئاً ما يتغير ، ما هذا الشيء ؟ لا أدري ، والثلج يزداد والبرق في أعماقي ينفجر وأنا في بطء أتجمد … أتجمد تحت تلال الأوهام … أتجمد حتى أغيب تماماً في ظلام الأيام… وأخيراً أنهارت كل تلال الثلج ذائبة وانقشع ظلام الأوهام … كيف أرى العالم الآن ؟ …كيف أراها هي بعد هذا الفيضان ؟ … كيف أحدد معاني الأشياء بعد فوران البركان ؟ … فهذا ما يحتاج إلى قصة أخرى عبر توالي الأزمان … لكنني لن أقابلها مرة أخرى بعد اليوم فقد ضاعت عبر ذوبان الثلج فما ثم للأشياء معان … فقد ذابت في الماضي ، والحاضر يفتقد مستقبل حب معها ، فقد كان المستقبل معها منظومة أوهام … ذابت كالثلج وتتبخر ذكراها فتتلاشي معها كل الأحلام ، لذلك ليس بعد هنالك قصة أخرى حيث ضياع أقدس إنسان …

بقلم : محمد ممدوح
كاتب – مترجم – باحث – مدرس ترجمة عربي / إنجليزي
تعليم اللغة الإنجليزية(General English)
محادثة باللغة الإنجليزية خلال 8 أشهر
Conversational English
&
How to read and study a Novel,a Short Story,a Play(Drama) and English Criticism(especially for the students of English Departments)
&
General Culture and Social Studies in English
N.B.:Preparation for TOEFL & IELTS But for EXCELLENT students in English ONLY
موبايل : 01026533690
E-mail:[email protected]


Photo by carl lexicon

التعليق من فيس بوك

Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (3 صوت, بتقييم: 6.33 من 7)
Loading...


عن الكاتب

Mohammed Mamdouh

كاتب – مترجم – باحث – مدرس ترجمة عربي / إنجليزي
تعليم اللغة الإنجليزية(General English)
محادثة باللغة الإنجليزية خلال 8 أشهر

موبايل : 01026533690
E-mail:[email protected]