شعب الموزو: مملكة “الآما”

شعب الموزو: مملكة “الآما”
بشرى بدوي

موزو2

تقول الأسطورة أن الآلهة كيمو هجرت من طرف حبيبها الذي عاد أدراجه عند والدته و من فرط بكاء كيمو كمدا تكونت بحيرة لوغو و غرق جميع المقيمين هناك باستثناء سيدة واحدة تمكنت من النجاة رفقة ابنها و ابنتها وهما أسلاف شعب الموزو.

يعيش شعب الموزو في سفوح جبال الهمالايا و على ضفاف بحيرة لوغو أو البحيرة الأم الواقعة في الجنوب الغربي من الصين باتجاه التيبت، كما يعيشون أيضا في قرى متفرقة في المنطقة و يقارب عددهم الأربعين ألفا و تتضارب الآراء حول أصولهم فهناك من يقول بأنها أصول منغولية و هناك من يعتبرهم سكانا أصليين. و يتميز هذا الشعب بخصوصية معتقداته وبتفرد تنظيمه الاجتماعي و باختلاف تصور أفراده لمفهوم الاستقرار.



المرأة سيدة القرار و الاختيار:

إن مؤسسة الزواج غير موجودة لدى شعب الموزو، و الأسرة تترأسها المرأة التي يطلق عليها لقب “آما”. تكون هذه الأخيرة مسؤولة عن كل ما يخص عشيرتها و تستمر في العيش في كنف أسرتها طيلة حياتها رفقة أبناءها و إخوانها.

إن المرأة لدى الموزو تتحمل مسؤولية أسرتها و تختار عشاقها و تخلف لبناتها اسمها و ممتلكاتها. المرأة، لديهم، تعمل خارج المنزل فتقوم بجني الثمار و الاهتمام بالماشية و ما إلى ذلك بيد أنها و إن امتلكت كل هذه الصلاحيات فهي لا تستغلها بدافع ممارسة سلطة قهرية على باقي أفراد العشيرة و الدليل على ذلك أن كل أسرة لها مجلس تتم فيه مناقشة أمورها و اتخاذ القرارات الحاسمة عن طريق التشاور و تبادل الرأي. إن شعب الموزو يعيش حالة من الأميسية تجعل من سيادة المرأة تشريفا وتكليفا.

الرجل، خالا و عشيقا و أبا :

إن الرجل كأخ، يرعى أبناء أخته أثناء خروج هذه الأخيرة للقيام بالمهام المنيطة بها، كما أنه يمنحهم عواطف و مشاعر الحب و الحنان كما لو كانوا أبناءه أما الآباء البيولوجيون فلا تلزمهم هذه الرابطة بأي واجب اتجاه أبناءهم و هذا الانفصال المادي و العاطفي لا يمنعهم من زيارتهم إن أرادوا ذلك.

الرجل بالنسبة للأنثى لدى الموسو، هو أيضا ذلك العشيق أو الحبيب الذي يمنحها توازنها العاطفي والجسدي.

هذا لا يعني أن الرجل لا يقوم بأي عمل آخر، فالرجل يساعد أيضا في عملية الحرث و البناء، كما أنه هو من يمثل العشيرة في الخارج و قد أصبح شيئا فشيئا يسير شؤونها المالية.

الحب و الانجذاب أساس علاقة الرجل بالمرأة :

مع غروب الشمس، يسعى الرجال إلى الالتحاق بعشيقاتهم و يغادرون المكان مع بزوغ شمس يوم جديد. إن علاقة الرجل بالمرأة تقوم على أساس الرغبة و المتعة الجنسية و الانجذاب العاطفي و في بداية العلاقة تتكتم الفتاة على اسم حبيبها و لا تبوح به لأسرتها إلا بعد مرور زمن من الوقت.

فيما سبق كان اتخاذ الرجل لأكثر من خليلة في نفس الوقت أمرا مستساغا أما في الوقت الراهن فلم يعد الأمر مقبولا فحين يميل الرجل لأنثى أخرى تقوم المرأة بدورها باستبداله.

يشكل ارتباط امرأة من الموزو بشخص عن طريق الزواج حالة شاذة و يعتبر بمثابة كارثة حلت على الأسرة، فعلى خلاف المجتمعات الأخرى المرأة تهرب مع زوجها و ليس مع عشيقها.

هناك من يعزو سبب هذا النمط من التعايش إلى ذهاب الرجال قديما في رحلات للتجارة عبر الجبال مما جعل السيدات يأخذن على عاتقهن مسؤوليات البيت. هذا الموروث الثقافي أفرز استمرار هذا التفرد الاجتماعي ليجد له أيضا مبررات اقتصادية تتجلى في أن انشغال الرجل بالأطفال كخال يحول دون إمكانية تحمله لمسؤولية أطفاله الحقيقيين كأب.

غير أن ما يبدو راجحا هو أنه بكل بساطة هذا الشكل الأميسي هو ترجمة لتصور الموزو وفلسفتهم في الحياة و لما يجب أن تكون عليه الروابط الاجتماعية.

ثقافة الموسو و معتقداتهم :

يعتقد الموزو أن الزواج يشكل تهديدا لاستقرار الأسرة. إنهم يؤمنون بضرورة وجود تناغم في الحياة بين الرغبة و العلاقة لتحقيق التناغم و الانسجام و الاستقرار الاجتماعي و ما عدا ذلك من أمور المادة و الملكية فهو شيء ثانوي.

للموزو ديانتان : ديانة خاصة بهم اسمها “دابا” ترجع لآلاف السنين و الديانة البوذية التبتية التي تعتبر ديانة لاحقة غير أنها تطغى بشكل كبير على الحياة اليومية و تتجلى بشكل ظاهر في رموز الصلاة المعلقة على البيوت أو الأشجار و في المعابد. و للموزو، بوذا الخاص بهم و يعتبرونه تجسيدا لزعيم روحي في التبت، و تقوم العديد من الأسر الموزو بإرسال واحد على الأقل من أبنائها الذكور ليصبح ناسكا و قد تضاعف عددهم بشكل كبير في الآونة الأخيرة.

غالب البيوت لدى الموزو تحتوي على تمثال لإله بوذي يوضع فوق موقد النار و يتم وضع قسط صغير من كل شيء يطهى في تلك النار كقربان لذلك الإله.

و بالعودة إلى ديانة “الدابا” نجد أنها تتشابه مع المسيحية فيما يخص بعض الطقوس كتلك المتعلقة بالتسمية و بالتعميد و بالجنائز و غير ذلك. و إن كانت البوذية تلعب دورا أكبر في الحياة اليومية للموزو، فهذا لا يعني عدم أهمية الدابا على اعتبار أنها هي الحامل الرئيسي لثقافة الموزو عبر الأجيال و ما يشكل خطرا على هذه الثقافة هو كونها شفهية غير مكتوبة و هو الأمر الذي حذا بفاعلين جمعويين و منظمات غير حكومية إلى تشجيع خلق صيغة مكتوبة لهذه الثقافة حتى لا تندثر باندثار السلف و يحول ذلك دون تمريرها للخلف.

من الشائع أن شعب الموزو يستمد مبادئه من البوذية و يركز على مسألة الخلق الجيد و الاحترام والصدق والكرامة مع الجيران و الأقارب حيث أنه، لدى الموزو، لا مكان للعنف أو السرقة أو الانحراف فعلى سبيل المثال حتى و إن تمادى أحدهم في احتساء الشراب إلى حد الثملة فشباب القرية يعملون على احتواء حالته لتلافي صدور تصرفات لا أخلاقية منه اتجاه باقي الأفراد.

غير أن المغالاة في إضفاء طابع المثالية على الموزو هو أمر يجانب الصواب فحتى و إن لم تكن مصطلحات “القتل” و “السلب” و “الاغتصاب” في قاموسهم فهناك كلمات أخرى ومواقف يستشف من خلالها أنهم لا يشذون عن المجتمعات الأخرى من حيث ثنائية الخير و الشر. فتبقى بذلك كأي ثقافة في العالم لها من الإيجابيات مثل ما لها من السلبيات و إن كان سكان المنطقة وبعض ذوي الأهداف الشخصية، يحلو لهم تسليط الضوء على ما هو إيجابي فقط.

هذا من جهة المبادئ أما من جهة المعتقدات، الغيبية منها على الخصوص، فإلى جانب أسطورة الآلهة كيمو و بحيرة لوغو الأساسية، هم يؤمنون بأن أرواح الأسلاف و الأجداد تتابع من السماء ما يجري في المنازل من خلال فتحات في السقف كما أن الدخان المنبعث من المنازل يوافيهم برسائل.

هم يعتقدون أيضا في سوء الطالع و يعتبرون في حضور الرموز البوذية مجلبة للحظ و السعادة والعافية للبيوت. لديهم، بالإضافة إلى ذلك، أماكن مقدسة كغابة يتم تعليق الملابس القديمة على أشجارها للتخلص من الأمراض. كما يتم كذلك زيارة معبد الآلهة كيمو للتبرك و طرد اللعنة واستجلاب الحظ.

و للنضج طقوسه :

هناك طقس أساسي في حياة كل فتاة من الموزو عند بلوغها سن الثالثة عشر حيث يتم الاحتفال بمناسبة مرورها إلى سن النضج، فيسمح لها لأول مرة بأن ترتدي تنورة و يتم تزيينها بمختلف أنواع الحلي لاستقبال العديد من المدعوين الذين يقدمون لها الهدايا و يلقون على مسامعها مجموعة من الإطراءات يثنون من خلالها على جمالها و نضارتها.

الوصول إلى هذه السن يجعل الفتاة قادرة على إبداء رأيها في مجالس الأسر، ويعطيها حق مواعدة من تختاره من الفتية فتخطو بذلك أول خطوة لها في مسارها الذي سيتدرج إلى أن تصبح بدورها “آما” للأسرة في وقت لاحق خاصة إذا كانت الفتاة الوحيدة أو الكبرى في الأسرة.الأولاد بدورهم يصلون إلى مرحلة النضج في ذات السن.

تجدر الإشارة إلى أن من لم يبلغ هذه السن سواء كان ولدا أم بنتا فلا يحق له المشاركة في العديد من الاحتفالات، الدينية منها على الخصوص، بل إن الطفل الذي يتوفى دون تلك السن، لا تقام له مراسم جنائزية تقليدية.

و للموت طقوسه أيضا فهناك نوع من اللحم المقدد الذي يتم توفيره بشكل تضامني بين أفراد العشيرة لدفنه مع الميت في قبره، كما أن الحزن على الميت يستدعي عدم التعبير عن الفرح في غير ما مناسبة و ذلك لاجتناب تعكير صفو الأسلاف حسب ما يعتقده الموزو.

الاقتصاد لدى الموسو :

يعتمد الاقتصاد على الزراعة بالدرجة الأولى و السياحة و التجارة.إن السيدات لدى الموزو يقمن بزراعة اليقطين و الذرة و غير ذلك ليقمن بعد ذلك ببيع المحاصيل و هذا ما يدر عليهن المال القليل الذي يحصلون عليه لسد حاجيات الأسرة.

أما بالنسبة للسياحة فهي تقوم بالأساس على ضفاف بحيرة لوغو و أغلب السياح صينيون و ما يمنحه سكان المكان لزوارهم هو : فسحة على ظهر حصان أو مشروبا على ضفاف البحيرة أو زيا تقليديا. و قد ساهم انتعاش السياحة في تحويل المنازل القروية إلى دور ضيافة وفنادق.

بالنسبة للتجارة، النساء يهاجرن لمدينة ليدجنغ حيث يكترين محلات لعرض و بيع منتجاتهن التقليدية و قد تم تصنيف هذه الفئة تراثا عالميا من لدن اليونسكو. غير أن المغتربات لا يعتبرن المكان سوى محطة في حياتهن لا يلبثن بعدها أن يعدن إلى ديارهن في أحضان شعبهن. و قد تم تعزيز البنية الطرقية لتسهيل تنقل أفراد الموزو من أجل البحث عن العمل.

إن المتطلبات الاقتصادية لأفراد شعب الموزو تضافرت مع انفتاحها كوسط قروي على مظاهر الحضرية من طرقات و وسائل مواصلات و كهرباء و غير ذلك لتنعش قطاع السياحة على ضفاف بحيرة لوغو غير أن النظام الاجتماعي السائد هناك جعل من البغاء المنتج السياحي الذي يعرف الإقبال الأكثر في المنطقة فنظام زواج المسيار « walking marriage » جعل من يونان قبلة لطالبي المتعة الجنسية حيث يجدون مبتغاهم عند فتيات الموزو على اعتبار أنهن غير مقيدات بالتزام اتجاه شخص واحد إذ أن حريتهن في اختيار عشاقهن تجاوزت حدود فتيان المنطقة لتطال السياح الوافدين من مختلف المناطق و ذلك منذ مطلع الثمانينات. و في إطار التسويق و الدعاية لهذه الخدمة السياحية تم استبدال تسمية “مملكة المرأة” ب “مملكة الفتاة” لإضفاء رومنسية و جاذبية أكثر على المكان. و أسهم هذا في جعل الموزو الأقلية الإثنية الأغنى في يونان. قاد كل هذا إلى إلحاق الأذى بثقافة الموزو، حيث أصبح زواج المسيار مرادفا لعلاقة ليلة واحدة « one night stand » مع رجال عديدين، فأدى هذا إلى ظهور دور دعارة على شكل حانات.

لا يعني هذا أن كل بائعات الهوى هن من الموزو حيث أن هناك فتيات من غير الموزو وفدن إلى المنطقة لامتهان الدعارة مستغلات ما يروج عن السكان الأصليين في هذا الباب. وللإشارة، فيما سبق كانت فكرة إقامة علاقة بأجنبي عن الموزو غير محبذة حيث كان ذلك يؤدي بمن قامت به إلى عقاب قاس من عائلتها إذا ما اكتشفت الأمر.

الموسو بين الحداثة و التقاليد :

إن المرأة الموزو تحرص حاليا على تعليم الفتاة كما تسعى لتأهيلها للقيام بدورها كسيدة للأسرة في المستقبل غير أنه لا يمكن التنبؤ بما ستصير عليه الفتاة إن واصلت تعليمها وغادرت نحو مناطق أخرى فهذا سيجعل منها تنفتح على عوالم و ثقافات مختلفة مما يضعها أما خيار الرجوع إلى موطنها الأصلي و الترسيخ لنظامه الاجتماعي المتفرد أو البقاء في مجتمعها الجديد والانصهار في ثقافته و بالتالي إمكانية تأسيس أسرة تقوم على الزواج.

يعبر شعب الموزو عما يخالجه من مشاعر و ما يؤمن به من معتقدات من خلال احتفال كبير يقام في الخامس و العشرين من آب و هذا الاحتفال هو مجال لتقديس و تمجيد الأسلاف و الطبيعة. هذا المهرجان هو أيضا فرصة للقاءات العاطفية و للغزل حيث أن الحب هنا غير مشروط بوضع اجتماعي بل بالعواطف التي تنبع في الأصل من تبجيل الأم و الآلهة كيمو كرمزين للحب الحقيقي و الصادق.

التعليق من فيس بوك


تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (1 صوت, بتقييم: 2.00 من 7)
Loading...

عن الكاتب