إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل.

إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل.

يعتقد الكثيرون أن سلوك الفرد في حياته الاجتماعية وعلاقاته مع الأخرين إنما يخضع لتأثير الدين أو العشيرة أو الانتماء  العرقي أو المصالح التي يتطلع إليها، وغير ذلك من الاعتبارات، وعلى الرغم من أن كل ما يقال يمكن أن يكون صحيحا في إطار الرؤية الجزئية، إلا أن الرؤية الأشمل تكشف عن عوامل أخرى تحدد أشكال السلوك التي يمارسها الإنسان، وأشكال العلاقات الاجتماعية التي يقيمها مع الآخرين.

فقد يكون الدافع الديني عاملا أساسيا بالنسبة لعدد كبير من الناس،  فيقررون  طبيعة الأصدقاء الذين يتعرفون عليهم، والزيارات الاجتماعية التي يقومون بها، وحتى طرق بيعهم للسلع التي يريدون بيعها، وطرق شرائهم للسلع التي يريدون شراؤها، وكذلك أماكن سكنهم، وطرق الزواج، والأفراح والأتراح وغيرها من أنماط السلوك كلها تخضع للمعايير الدينية التي يؤمن بها الفرد.

ويقال الأمر نفسه فيما يتعلق بالانتماء القومي أو العشائري، فمن وجد نفسه جزءا لا يتجزأ من القبيلة التي ينتمي إليها، وشعر بأن حياته مرتبطة بها، فإن أنماط سلوكه إنما تخضع لما يسيطر عليه من شعور الانتماء، ويشمل ذلك مرة أخرى، طرق البيع والشراء التي تتوافق مع انتمائه، وعمليات اختياره لشريك حياته، ومناطق السكن التي يعيش فيها، وغير ذلك من طرائق الحياة الاجتماعية التي يستقر عليها، فانتمائه يحدد أشكال سلوكه.



وإذا كان بالإمكان توصيف أفراد المجموعتين السابقتين، ممن يتأثر السلوك الاجتماعي للفرد فيها بالدين أو الانتماء الاجتماعي، بأن هؤلاء من أصحاب المبادئ، حيث يأتي الاعتبار الأول المحدد لسلوكهم الاجتماعي في حياتهم الاجتماعية للجماعة التي ينتمون إليها بالدرجة الأولى، سواء أكانت هذه الجماعة سياسية أو اقتصادية او اجتماعية، بينما تأتي مصالحهم الشخصية في الموقع الثاني من الأهمية، ولهذا فهم أصحاب مبادئ بصرف النظر عن سلامة هذا المبدأ أو خطأه من الناحية العقائدية أو الاجتماعية.

وعلى طرف آخر يعرف البشر أيضا أشكال من السلوك الاجتماعي تخضع لاعتبارات المصلحة والمنفعة بالدرجة الأولى، فيأتي الاعتبار الأول بالنسبة لهذه المجموعة من الناس لمصالحهم الشخصية بصرف النظر عما يمكن أن يترتب على هذا السلوك من أضرار تمس الجماعات التي ينتمون إليها، وفي الحقيقة يأتي انتماء هؤلاء لهذه الجماعات الاجتماعية صوريا وليس أكثر، ويمكن أن يتنقلون من جماعة إلى أخرى، ومن تيار إلى تيار تبعا لمصالحهم الشخصية،  وتبعا لمستويات إدراكهم بالمنافع التي تعود إليهم من جراء ارتباطهم بهذه الجماعة أو تلك.

وعلى الرغم من أن هذه العوامل يمكن أن تفسر السلوك الاجتماعي للإنسان غير أنها تأتي من رؤية جزئية محدودة، فقد يبدو السلوك دينيا كما سبق بيانه، أو قوميا، أو سياسيا، أو نفعيا، ولكن الرؤية الشمولية يمكن أن تفسر السلوك الاجتماعي بعوامل أخرى، فمن خلالها يمكن الاستنتاج بأن هذه الأنماط من السلوك ليست متأصلة في الطبيعة البشرية، وأنها من حيث النتيجة ذات طبيعة اجتماعية، وأنها نتاجات اجتماعية بالدرجة الأولى تحدث نتيجة التفاعل بين خصوصيات الذات البشرية ذات التدرجات المتفاوتة في سماتها وخصائصها، وبين شروط الواقع الموضوعي الذي تعيش فيه.

فلو كانت  الطبيعة الدينية متأصلة في الجنس البشري، كما هو حال ظاهرة الجوع أو الذكورة والأنوثة مثلا، لظهرت عند البشر كافة، ولو بأشكال مختلفة، وكذا الحال الطبيعة القومية، أو العشائرية، أو المكانية، وحتى النفعية منها، كلها أشكال مكتسبة اجتماعيا، ولو كانت هذه الأشكال متأصلة في الطبيعة البشرية لكان ظهورها حتمي عند كل البشر من جهة، وامتنعت الأشكال الأخرى عن الظهور من جهة ثانية.

ولأن الطبيعة الدينية أو القومية أو العشائرية ليست متأصلة بذاتها في النفس البشرية، إنما تأتي في سياقات اجتماعية محددة، وتنتفي في سياقات اجتماعية أخرى، فإن السلوك الإنساني لهذه السياقات الأعم، وليس للسياقات المباشرة، فالاجتماع البشري في مكونات اجتماعية ضرورة حتمية، ولكن أي مكون اجتماعي ليس أصيلا في ذاته،  إنما هو نتاج سياقات اجتماعية وتاريخية وثقافية محددة في الزمان والمكان.

أما صفات الذكورة والأنوثة مثلا فهما متأصلتان في الجنس البشري، والسلوك الذي تفرضه خصائص الذكورة في بلد هو ذاته السلوك الذي تفرضه خصائص الذكورة في بلد آخر، وكذا الحال بالنسبة إلى السلوك الذي تفرضه خصائص الأنوثة، فهو لا يختلف في جوهره من بلد إلى بلد إلا في مظاهره دون مضامينه، قلا يمكن للذكر مثلا أن يقوم بدور الأنثى، ولا يكن أن يحدث العكس إلا في الأشكال الاجتماعية المتوارثة، ولكن دون المضامين، فلم يعرف التاريخ رجلا  حمل في بطنه جنينا، ولم يعرف التاريخ امرأة كانت أبا لجنين.، ولكن يمكن للرجل  في بلد أن يقوم بالأدوار الاجتماعية التي تقوم بها أنثى في بلد آخر، ويمكن للأنثى في مجتمع محدد أن تقوم بالأدوار الاجتماعية التي يقوم بها الذكور في مجتمع آخر، ولكن لا يمكن للذكور أن يقوم مقام الأنثى في وظيفته الحيوية الأساسية، ولا يمكن للأنثى أن تقوم مقام الذكر في وظيفته أيضاً.

ويختلف الأمر بالنسبة إلى الانتماءات القائمة على الروابط الاجتماعية (العشائرية والقبلية)، والدينية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، والطائفية (السنة والشيعة والعلويين والدروز والإسماعيليين والوهابيين  والخوارج وغيرهم)، فهم جميعا أمم وشعوب في هذه الأرض، جعلها الله موطنا لانتماء أعداد مختلفة من البشر، وكذا الانتماءات القومية والسياسية، فهي ليست أصيلة في الجنس البشري، إنما هي مكتسبة اجتماعيا، وتنتجها شروط موضوعية عديدة بتفاعلها مع خصوصيات الذات.

يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”، ومن خلال القراءة المتأنية لهذه الآية الكريمة يمكن استنتاج حقائق عديدة منها:

  • من الملاحظ أن الخطاب هنا هو للناس كافة، وليس للمسلمين، ولا للمؤمنين، ولا لليهود، ولا للنصارى، إنما هو لكل الناس، وما يحكم المسلمين في أنهم أمه من الأمم، أو شعب من الشعوب، يحكم اليهود والنصارى وغيرهم من الأجناس والأنواع المنتشرة في بقاع الأرض.
  • إن الله عز وجل خلق البشر من ذكر وأنثى، وهي صفات أصيلة ولا يمكن تغييرها لاحقا، ولا تعد الاستثناءات قاعدة في هذا المجال، فصفة الذكورة والأنوثة متأصلة في الجنس البشري ولا تختلف بين أمة وأخرى، ولا بين شعب وشعب، ولا بين أبناء عقيدة وعقيدة.
  • إن الله عز وجل جعل الناس أمما وشعوبا وقبائل، من حيث النتيجة، فلا يمكن تصور إنسان بلا انتماء، لجماعة دينية، أو قومية أو سياسية، أو اجتماعية، ولكن هذا الانتماء قابل للتغير، فمن الممكن أن يتحول انتماء الإنسان من جماعة إلى جماعة، ومن دن إلى دين، ومن طائفة إلى طائفة، وعلى الرغم من ذلك فإن التغيرات الجزئية لا تنفي الصورة الكلية القائمة على التنوع بالضرورة، فالانتماءات موجودة باستمرار، مع إمكانية الانتقال من جماعة إلى أخرى، ومن تكوين اجتماعي إلى غيره.
  • إن الغاية من التنوع بين بني البشر، كما أرادها الله عز وجل إنما هي التعارف والتقارب بين التنوعات وليس التضاد والصراع كما تروج ذلك فلسفات غربية حديثة، وتيارات دينية معاصرة، فكل من يحث على الصراع بين بني البشر، أو الحرب بينهم، ولو كان ذلك لاعتبارات دينية، فهو يخالف الحكمة الإلهية من التنوع والاختلاف، والتقى، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة هو توخي عمليات التعارف والتقارب والتفاهم بين بني البشر كافة، وما العداوات وأشكال الصراع والبحث عن المنافع إلا أشكال من عمل الشيطان. الذي يستهدف أركان الإيمان.

وفي ضوء هذا التصور، فإن السلوك الاجتماعي الذي يتوخى الظلم والعدوان وقتل الأبرياء، واستخدام الطائرات في ضرب المدن وقتل الأبرياء لتحقيق المصالح الآنية، يأتي على الطرف النقيض من السلوك الإسلامي حتى ولو جاء برداء إسلامي، وهو يتضمن محاولات تشويه العقيدة والإساءة إليها لما يحمله في مضمونه من أبعاد عدائية منافية للإسلام في جوهره وطبيعته، فالإقرار بالآخر والاعتراف به ضرورة من ضرورات الإيمان، فإذا أراد الله عز وجل أن جعل الناس أمما وشعوبا وقبائل حتى يتعارفوا ويتعاونوا، فأين لتيار ديني أو قومي أن يجعل الناس أمة واحدة..؟، إن أية محاول لجعل الناس أمة واحدة، كما تذهب إلى ذلك تيارات دينية معاصرة، هو مخالفة واضحة وصريحة لإرادة الله جل وعلا، وبالتالي فكل محاولة تكتسي طابع الإسلام وتسعى لجعل الناس أمة واحدة هي مخالفة صريحة لإرادة الله، وهي إما أن تكون مبنية على جهل، أو أنها جزء لا يتجزأ من الحرب على الإسلام التي تأخذ أشكالا جديدة في الوقت الراهن، ومنها الطرق الأكثر خطورة ، تلك التي تنبعث من داخل المجتمع الإسلامي نفسه.

التعليق من فيس بوك


تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (لم يتم التقييم من قبل ..كن أول من يقيم هذه المقالة)
Loading...

عن الكاتب

زائر
عضويه غير حقيقيه تنسب اليها المحتوى الذى يضيفه الزوار
  • تواصل مع زائر: