الفيلسوف الحائر نجيب محفوظ

الفيلسوف الحائر نجيب محفوظ
414
31

هو نجيب محفوظ عبد العزيز  أسماه والده نجيب محفوظ تيمنا بالطبيب الذى أشرف على ولادته نجيب باشا محفوظ حيث ولد عام 1911 بحى الجمالية وكان أصغر أخواته ودرس الفلسفة وتفوق فيها  وقد غلب عليه فى كتاباته الواقعية الفلسفة الوجودية فقد عبر عن الوطن بل عن العالم بأسره بالحارة فالحارة فى مخيلته تختلف عن مخيلة البشر العاديين فهى بالنسبة لهم شوارع ضيقة أما بالنسبة لنجيب محفوظ فهى الوطن كما فى رواية حكايات حارتنا والفتوات وغيرها وهى العالم بالنسبة كما فى رواية ولاد حارتنا التى حصل على جائزة نوبل فى الأدب فضلاً عن بساطته اللغوية البعيدة عن التقعر والتعقيد فى كل كتاباته ومنعوها فقهاء الأزهر إلا أنها عادت للتداول والنشر فى جميع دور النشر والمكتبات وكادت أن تسبب فى انهاء حياته حين حاول شابان قتله وكانت رمزية حيث تصور الانسان منذ بدء الخليقة فالجبلاوى كبير الحارة يرمز للألوهة والأجيال التى أتت بعده على التوالى كأدهم وأميمة فهم آدم وحواء وعندما طردهم لدخولهم حجرة الأسرار ليطلعوا على كتاب الأسرار  بسبب وسوسة من أخيه الحاقد وهو يمثل الشيطان الذى خرج من باب رحمة أبيه الجبلاوى وجريمة قتل قدرى لأخيه همام كجريمة قتل قابيل وهابيل ثم تتوالى الفصول والأحداث ويذكر فى كل فصل من فصول الرواية مقولته المتكررة آفة حارتنا النسيان فترى شخصية جبل وصعوده جبل المقطم يمثل نبى الله موسي الذى يقف فى وجه السحرة ويأتى رفاعة وهو يمثل نبى الله عيسى ثم قاسم ويمثل نهاية عهد النبوة ثم يأتى عرفة الذى يمثل العصر الحديث بعد انتهاء عصر النبوات والذى يرنو إلى أنه لا أمل للناس إلا بالعلم والمعرفة فقد كان للأسماء الذى اختارها مدلول ومقتل الجبلاوى يمثل الصراع الدائم بين العلم والدين فالدين ثوابت وحقائق راسخة لاتقبل الجدل وهذا ما كانت ترنو إليه كل الأديان أما العلم فهو دعوة لإعمال العقل والتفكر والنقد والتحليل لكل ماهو كائن فترى كل عالم نقد كل من سبقوه مضيفاً فكراً جديداً بنيت اختراعات فحميع اختراعنا كانت نتاج عقول وفكر من سبقونا ومن خلفوهم ليتموا المسيرة وقد غلبت على روايته ابع البيئة القاهرية بحكم نشأته وتنقله بين أحياء القاهرة كالجمالية والعباسية بدأ حياته الأدبية فى منتصف الثلاثينات ينشر كتاباته فى مجلة الرسالة فنشر روايته عبث الأقدار التى تمثل الواقعية التاريخية ثم أكمل ثلاثيته التاريخية  فى زمن الفراعنة بكفاح طيبة ورادوبيس وبدءً من منتصف الأربعينات بدأ خطه الروائى الذى حافظ عليه طوال مسيرته الأدبية كروايته الشهيرة خان الخليلى والقاهرة الجديدة والواقعية الاجتماعية كبداية ونهاية ورواية الشحاذ التى تتجه نوعاً إلى الرمزية والتى أدت للتحريض على اغتياله وإهدار دمه وتجده يتجه تارة لروايات ذات طابع صوفى أشبه بالشعر النثرى يحوى الكثير من المشاعر والوجدانيات كأصداء السيرة الذاتية رغم ان قصصه قصيرة لاتتعدى بضعة أسطر وأحلام فترة النقاهة  وروايات أخرى أخذت طابعاً فلسفيا وصوفياً واجتماعيا فجمعتهم فى قالب واحد  كحديث الصباح والمساء التى تؤكد فلسفة الموت والفناء وأن الزمن يعيد دورته فى الحياة فى صورة  أجيال قادمة جديدة فترى أناس يودعون الحياة وآخرين يولدون وكل هؤلاء البشر مختلفين طبقياً وعقائدياً واجتماعيا وخلقياً يأتون إلى الدنيا لسبب أودعه الله فيهم ثم يأتى دوره ليرحل ويأتى بعده كما ذكر فى تتر المسلسل الصبح طفل برئ ومساه يبان تجاعيد وفوق طريق اليام تجرى الحياة كشاوير  ونشوف ملامح الزمن متعادة فى المواليد واحنا البشر كلنا أعمار ورق بيطير ياحيى طول ماأنت مسيره يجى الدور عليه دى حكاية متكررة من يوم ولادة الطريق  وترى استخدامه الفنتازيا والخيال فى رواياته الحرافييش وليالى ألف ليلة وليلة ولا ننسى لم تخلو كتاباته من وصف المرأة على اختلاف نشأتها وطباعها فقد وصف المرأة القوية الملهمة كالأم توتى شيرى فى رواية كفاح طيبة والمرأة الكادحة المكافحة رغم التعثر والفقر كما فى بداية ونهاية والمرأة المرفهة نوعاً ما كما فى خان الخليلى التى لديها متسع من الوقت والفكاهة ومسامرة الجيران والمشاركة فى الأعياد والمناسبات وعمل حلوى العيد فهن نساء لم يترملن وتتضطرهن الظروف للكفاح والجدية مما يضفى على شخصياتهم المرح والفكاهة كوالدة أحمد عاكف فقد عاشت حياة ليست بالثرية ولكنها ليست بالكادحة فهى وجاراتها يمثلن نساء الطبقة الوسطى أنذاك وكانت المرأة فى ظل هذه الظروف تعيش فى رحابة ومرح ولاننسى شخصيتى حميدة فى زقاق المدق ونفيسة فى بداية ونهاية وهما شخصيتان شاردتان فحميدة دفعها الفقر  إلى ذلك ونفيسة أيضاً فضلاً عن انها لم تكن جميلة أو مرغوبة وكذلك فى الثلاثية فقد برزت شخصيات نسائية مختلفة كأم ياسين التى رفضت عنت زوجها ومعاملتها معاملة الجوارى فآثرت الحياة مطلقة شاردة على الرضوخ  وأمينة التى كانت تطيع زوجها طاعة مطلقة فعاشت وماتت وهى تدور فى فلك زوجها فهى لم ترى الدنيا إلا من خلاله وما أن مات حتى لحقت به أما ابنتيها عائشة وخديجة فرغم نشأتهم فى بيت واحد ولكنهما مختلفتان فقد كانت عائشة جميلة ورقيقة ومرغوبة فعاشت كالنسمة الرقيقة الوديعة رغم أن الحياة لم تعيها حظاً وافراً فقد ترملت فى ريعان شبابها وفقد أبنائها على التوالى أما خديجة لم يكن فيها جمال ورقة أختها عائشة ولم تكن تحظى بالإعجاب مما جعلها معقدة صارمة سليطة اللسان حادة الطباع والراقصة زنوبا التى غلب عليها طبع المرأة الشرقية التى تاقت إلى ترك حياة الصخب والرقص بلا رجعة  وآثرت حياة الزواج والاستقرار  لتصبح زوجة لياسين وتنجب له البنين والبنات ولكنها لم تسلم من النقد الجارح التى كانت توجهه أخت زوجها خديجة ولاننسى شخصية زهرة فى ميرمار التى تمردت على المجتمع الذكورى وعادات الريف البالية والحالة القمعية التى يمارسها الرجل ضد المرأة آنذاك وأن تعيش إمرأة ذات رأى وشخصية فرفضت الزواج من  محمود أبوعباس بسبب عنصريته الذكورية وأن المرأة لا تعنى سوى تابع له فتاة الجميلة إحسان شحاتة في ” القاهرة الجديدة ” خطيبة محب الاشتراكية علي طه متورطة في مأساة تجعلها في صراع دائم مع نفسها فهي ذات طموحات طبقية من جهة وهي واحدة من أسرة فقيرة متدنية المستوى إذ أن أمها ” عاهرة ” متزوجة من ” قواد” .. وضع متمزق لهذه الفتاه بحيث جعلها حائرة بين الحب العفيف لعلي طه وبين إغراءات وسطها الأسرى غير النظيف ، وبالنتيجة لم تصمد إحسان في هذه المعمعة ؛فخطيبها مثالي جدا لم يستطع شدها وإنقاذها من هذه المعركة الفاصلة ، وأسرتها المتورطة بالسوء اكثر إلحاحا على إحسان لتعود إلى الوسط الذي نبتت فيه ، فتنحرف الفتاة وتصبح عشيقة لواحد من الطبقة الأرستقراطية ، هذا العشيق يورطه سكرتيره محجوب عبدالدايم بالزواج من عشيقته إحسان بعد أن بان حملها ليسترها من الفضيحة وتظل علاقته معها

ويبين نجيب محفوظ أسباب الانحراف في هذه الصورة على لسان إحسان شحاتة في حديثها مع زوجها محجوب  الذي اضطرني إلى الارتباط بكما معا هو نفس ما جعلك تقبل هذا الزواج فالاضطرار هنا شيء واحد هو عدم قدرة الزوجين من الاختيار في مثل ظروفهما القاهرة

وفى خان الخليلى نجد الفتاة الهادئة الرقيقة نوال التى تنتظر فرصها فى الزواج بهدؤ ودون قلق شأنها شأن فتيات عصرها فلم تكن ثائرة أو متمردة أو ذات تأثير أما محور رواية ” ثرثرة فوق النيل ” فهو ثرثرة مجموعة من شخوص الرواية رجال ونساء في عوامة على أحد شواطئ النيل ، وما يهمني هنا هو لجوء عدد من الشخصيات النسائية إلى هذه العوامة هربا من جو القاهرة الخانق وحالة القمع التي كانت سائدة في الستينات ومن أهم نسوة هذه الرواية
ليلى زيدان التي قدمها نجيب محفوظ قائلا  الآنسة ليلى زيدان خريجة الجامعة الأمريكية  مترجمة بالخارجية جمال وثقافة إلى مركز باهر في تاريخ المرأة الرائدة في بلادنا  وعلى فكره فإن شعرها ذهبي حقيقة لا زيف فيه ولا صباغة
إن تردد ليلى زيدان على العوامة هو بديل عن الأمومة والحياة العادية والزواج ولم تكن هذه العوامة حكرا على العازبات وإنما للمتزوجات نصيب ، فسنية كامل ـ كما يقول محفوظ من بنات الميردي دييه  زوجة وأم  امرأة ممتازة حقا وفي أوقات الكدر العائلي تعود إلى أصدقائها القدماء  سيدة مجربة عرفت الأنوثة عذراء وزوجا و أما  فهي تعد كنزا من الخبرة للفتيات الصغيرات في عوامتنا
والشخصية النسائية المتحررة الثالثة هي سمارة بهجت ، صحفية شابة مهتمة بالمسرح ، لا تتعاطى الحشيش لذلك يقع عليها دور مهم في مراقبة ما يجري داخل العوامة لسببين هما الأول أنها صحفية ، والثاني أنها بكامل يقظتها كونها غير واقعة تحت تأثير المخدرات ويبدو أن نجيب محفوظ يعي تماما ما يريد ، فهو يزرع شخصياته في أعماله الروائية للهدف الذي يسعى إلى تحقيقه وهو إماطة اللثام عن تركيبة المجتمع المصري في كل المراحل ، فهذه الصحفية تشبه إلى حد كبير سوسن حمادة في السكرية فكلاهما ترصدان الموضع الذي تواجدا فيه وتحاولان المساعدة وتسليط الضوء على حالات الوهم والأباطيل التي يعيشها هذا المجتمع



وتراه فى رواية حديث الصباح والمساء شخصيات نسائية على التتابع بين الأجيال فمثلاً السيدة فرجة التى تعتبر آخر الجيل الأول وفاة تمثل المرأة فى وعيها وذكائها وثقتها بنفسها واعتزازها بنفسها رغم كونه بسيطة وفقيرة وترى شخصيتا\ين يمثلان جيل واحد هما السيدة هدى الالوزى سليلة إحدى أعرق العائلات نسباً وجاهاً وثراءاً واسعاً ورغم ذلك أحبت عطا المراكيبى وجعلته يذوب عشقاً فيها رغم كبر سنه وأنه لم يكن على نفس القدر من الجاه والحسب فرفعته إلى أعلى مراتب المجد وارتقى برقيها ولم تتعالى عليه بل كانت وفية له ولأهله وربتها صداقة بابنته نعمة التى كانت قريبة منها بالعمر ولم تحمل نعمة حقداً أو ضغينة رغم أنها لم يكن لها نصيب من الثراء الذى تحول إليه والدها وأخواتها لوالدها فقد تزوجت من موظف بسيط فى إحدى حوارى مصر القديمة كان تتميز بالبساطة والعفوية والمرح وفى الأجيال التالية ظهرت شخصية راضية ووالدتها فظهرت فيهما سيماء القوة والهيبة والصرامة وحسن القيادة وحرفة أخذ الحق كذا صور نجيب محفوظ المرأة على اختلاف أحوالها فى البيئة المصرية فى معظم رواياته

و لا ننسى مواقف من نجيب محفوظ تعكس شخصيته الدمثة الخلوقة ونقاء سريرته ورفضه الانتقام ممن عارضوه ويظهر ذلك عندما أعدما الشابان الذين حاوله اغتياله حين قال تمنيت ألا يعدما وقد قام الشيخ محمد الغزالى والقيادى الإخوانى أبو الفتوح رغم معارضة المتشددين ومن أشهر أقواله المأثورة لا تخبرونى بمن يحبنى أو يتكلم دعونى أحب الجميع وأظن ان الجميع يحبنى

الإيمان الوحيد الحاضر فى قلبى هو إيمانى بالعلم والمنهج العلمى

شعب لا يأخذ بالعلم ولا يدير شؤونه على أساسه لايمكن ان يكون له مستقبل بين الشعوب

إن أكبر هزيمة في حياتي هي حرماني من متعة القراءة بعد ضعف نظري

إذا لم ينقرض الجهل من مجتماعتنا فسيأتى السياح يتفرجون علينا بدلاً من الآثار

وعن أقواله عن المرأة

المرأة هى أهم رابط يربنا بالحياة

قل للمستهينين بقدرات النساء أتمنى ان تُعاد حياته بدون أم

فى  يوم 30 أغسطس سنة 2006 توفى الأديب العالمى نجيب محفوظ بعد حياة حافلة بالمجد الأدبى

التعليق من فيس بوك

31

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (2 صوت, بتقييم: 7.00 من 7)
Loading...

عن الكاتب

Sarah Elshikh
ولدت فى محافظة الجيزة وتخرجت من كلية التجارة وعملت معلمة لمدة خمس سنوات وحصلت على دبلوم تربوى عام 2014 بتقدير عام جيد جداً مرتفع ثم تركت التدريس للتفرغ للكتابة والأدب ومن أحب اعمالى الأدبية لغتنا الجميلة وخلق الطموح وقصيدة فى ظلال الحب وثورة على ضفاف النيل