العقاد ونظرية التعلم الذاتى

العقاد ونظرية التعلم الذاتى
ttt

هو عباس محمود العقاد الذى استطاع رغم تلقيه تعليماً محدوداً أن يحفر لنفسه اسماً فى سجل الأدباء والمثقفين الكبار  والذى صنع لنفسه أسطورة لن يكررها الزمان بفضل مواظبته المستمرة على القراءة فى شتى مجالات الحياة فعمل صحفياً وعضو فى مجلس النواب المصرى وعضو فى مجمع اللغة العربية لم يتلقى أى دراسات اكاديمية بالجامعة شأنه شأن كبار العلماء والمثقفين فى كل زمان فصنع لنفسه معجزة خاصة جعلته شخصاً فريداً من نوعه بين أدباء ومفكرين عصره رغم ذلك استطاع أن يحصل على جائزة الدكتوراة الفخرية من قبل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ولكنه رفضها مما ينم عن تواضع فقد جعلته القراءة إنسان صاحب مبادئ ومثل عليا .

نشأ العقاد فى أسرة بسيطة فلم يستطيع استكمال تعليمه الدراسى وحصل على الشهادة الابتدائيةولم يستطع مواصلة تعليمه  فقرر أن يعلم نفسه بنفسه وأن ينهل الكثير من العلوم والمعارف فتشتىمل قراءاته  بين أدب وسيرة وتاريخ وفلسفة وعلم نفس وكتب علمية متنوعة حتى غدى موسوعة علمية وثقافية لا يشق لها غبار مطبقاً النظرية التربوية الشهيرة نظرية التعلم الذاتى فألف الكتب والموسوعات الأدبية والنثرية والفلسفية وكتب سيرة  وقد ولد بأسوان  يوم28 يونيو عام 1889فى بيت التمس فيه حنان أبويه وعمل موظفا بمصلحة التلغراف بعد حصوله على الشهادة الابتدائية  وكان منذ صغره شغوفاً بالقراءة والمعرفة وكان يدخر من مصروفه لشراء كتاب فى نهاية الأسبوع حتى أصبحت عادة فى حياته وأتقن اللغة الإنجليزية من مخالطته السياح الأجانب فى الأقصر ولم يكن سعيداً بعمله الروتينى كموظف بالحكومة وقد اتجه إلى العمل الصحفى ليدخل مجال الصحافة من أوسع أبوابه فبدأ بكتابة المقالات الأدبية الرائعة كى تظهر آثار ثقافته المتنوعة وجمال أسلوبه ومواهبه الجالية التى آن لها أن تخرج إلى النور وكانت له كتب دينية تدافع عن الإسلام ضد خصومه ومهاجميه

ودافع عن الحرية ضد الشيوعية والوجودية والفوضوية.كتب عن المرأة كتابا عميقا فلسفيا اسمه هذه الشجرة، يعرض فيه المرأة من حيث الغريزة والطبيعة وعرض فيه نظريته في الجمال.


يقول العقاد ان الجمال هو الحرية، فالإنسان عندما ينظر إلى شيء قبيح تنقبض نفسه وينكبح خاطره ولكنه اذا رأى شيئا جميلا تنشرح نفسه ويطرد خاطره، اذن فالجمال هو الحرية، والصوت الجميل هو الذي يخرج بسلاسه من الحنجره ولا ينحاش فيها، والماء يكون آسنا لكنه اذا جرى وتحرك يصبح صافيا عذبا. والجسم الجميل هو الجسم الذي يتحرك حرا فلا تشعر ان عضوا منه قد نما على الآخر، وكأن أعضاءه قائمة بذاتها في هذا الجسد. وللعقاد إسهامات في اللغة العربية إذ كان عضوا في مجمع اللغة العربية واصدر كتبا يدافع فيها عن اللغة العربية ككتابه الفريد من نوعه اللغة الشاعره.

خاض العقاد معارك أدبية مع كبار الشخصيات الأدبية فى عصره

فأصدر كتاب معارك العقاد الأدبية ظهرت خصومته مع الرافعى حول معجزة القرآن واللغة بين الإنسان والحيوان ومع طه حسين حول فلسفة أبى العلاء المعرى ومع الشاعر جميل صادق الزهراوى حول الشاعر بين الملكة الفكرية العلمية والفلسفية وبين الملكة الشعرية وقد أصدر العديد من دواويين الشعر

ديوان يقظة الصباح ونشر سنة 1916 وقد كتب العقاد في حياته عشرة دواوين. وقد ذكر العقاد في مقدمته لكتابه ديوان من دواوين أسماء تسعة دواوين له مرتبة وهي : يقظة صباح ، وهج الظهيرة ، أشباح الأصيل ، أشجان الليل ، وحي الأربعين ، هدية الكروان ، عابر سبيل ، أعاصير مغرب ، بعد الأعاصير. ثم كتب آخر دواوينه وهو ما بعد البعد.

وقد صدر في العام 2014 كتاب بعنوان “المجهول والمنسي من شعر العقاد

ولا ننسى سلسلته الشهيرة العبقريات عبقرية خالد , عبقرية عمر , عبقرية محمد  والتفكر فريضة إسلامية وروايته الشهيرة سارة التى تحكى تجربة شخصية عاشها معها

حياته العاطفية مع الجنس الاخر

كان العقاد قد تعرف بسارة التى ألف قصة تحمل هذا الاسم عن تجربة خاضها معها حيث تمثل لديه ثنائية الحب والشك فى إمرأة متحررة مثلها عام 1924 حين ذهب الى احد البنسيونات في شارع الازهر بمصر الجديدة ليزور صديقه د. صبري السربوني حيث كان يقيم ولم يجده والتقى صاحبة البنسيون وكانت سيدة ايطالية متحضرة وكانت اليس هناك معها فدار حوار بينهما واتفقا على اللقاء في اليوم التالي في احدى الحدائق بمصر الجديدة ثم زارته في بيته اليوم الثالث وهكذا كانت العلاقة حتى وهن الحب وضعف واخذه الشك في سلوكها وكان ما كان مما اورده في الرواية لكن الصداقة بقيت بينهما كانت تجيد عدة لغات من بينها الانجليزية والفرنسية والايطالية والألمانية وكانت تترجم عنها.

كان العقاد عاطفياً جداً، لكنه لم يوفق في حبه، ولم يصادف المرأة التي تصون هذه العظمة الفكرية، فشاء القدر أن يحجب عنه القلب الوفي, رغم أنه كان يقول: إنه يتمنى أن يعرف ألف امرأة ويعشقها.

أحب العقاد سارة ومي في وقت واحد، وكانت مي زيادة أديبة مفوهة، وكان أسلوبها البلاغي فريداً، وطباعها شرقية، ولعل هذا التميز في شخصيتها هو أول ما جذب انتباه العقاد لها، حين رآها لأول مرة في مجلة “المحروسة” وكان عمره لا يزيد على سبعة وعشرين عاماً وكانت مي لا تتجاوز الحادية والعشرين.

وكتبت ميّ في إحدى رسائلها إلى العقاد: حينما أرسل لها بعض قصائده اعجابي بقصيدتك البليغة في معناها ومبناها فاق كل إعجاب، وقد اغتبطت بها غبطة لا حد لها، واحتفظت بها في مكان أمين بين أوراقي خوفاً عليها من الضياع، إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت هذه القصيدة، وحسبي أن أقول لك إن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان، بل انني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أول مرة رأيتك فيها في دار “المحروسة” إن الحياء منعني، وقد ظننت أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك، والآن عرفت شعورك وعرفت لماذا  لاتميل إلى جبران خليل جبران
كانت مي تحبه ، ولم تكن تعلم شيئاً عن حبه لسارة، وعندما شعرت مي بأن هناك شبح امرأة في حياة العقاد زارته على حين غرة في مكتبه، وهي الزيارة الأولى والأخيرة فرحب بها وأبدى استغرابه لزيارتها المفاجئة وابتهاجه بسؤالها عنه، وأنصت لها، فقالت بعد فترة وصوتها يتهدج “لست زائرة ولا سائلة”. ونظرت إليه كمن يستحلفه بأن لا يتكلم وانحدرت من عينيها دمعتان، فما تمالك نفسه وتناول يدها ورفعها إلى فمه يريد تقبيلها فمنعته، ولم تكف عن النظر إليه، ثم استجمعت عزمها ونهضت منصرفة وهي تتمتم هامسة “دع يدي ودعني
أما سارة، فكانت مثالاً للأنوثة الدافئة، ناعمة رقيقة لا يشغل رأسها إلا الاهتمام بجمالها وإن كانت تهتم أيضاً بالثقافة، وقد ملأت سارة حياة العقاد سروراً ومرحاً، ولقد وصفها العقاد في فصلين من الرواية قد لا نجد الكثير من أمثالهما في الأدب العالمي، وهما “من هي” و “وجوه” . وكان للأيام السعيدة التي قضاها معها أثر كبير في أدبه، إلا أن شبح الشك الرهيب بدأ يكشر عن أنيابه ويعكر صفو تلك العلاقة حتى انتهت، وقد أصبحت قصة الحب هذه عنواناً لقصته الوحيدة.

يحكي صديقه الدكتور عبد الفتاح الريدي: لاحظت أن العقاد في آخر أيامه كان يحن إلى هذا الحب، وفي إحدى ندوات الجمعة المسائية قرأ عليه أحدنا قصيدة في سارة من ديوانه، فما كان من العقاد إلا أن قام والدموع تنهمر من عينيه وغادر الجلسة.

وفي حديث له مع باحثة أمريكية جاءت إلى القاهرة لتعد معه رسالة بعنوان “العقاد الفيلسوف” سألته: لقد عجبت عندما سمعت أنك تكره المرأة بالرغم من أنك تعاملني معاملة في غاية الرقة فهل هذا صحيح؟ فقال العقاد: إن الذين قالوا لك هذا خدعوك فغير صحيح أنني أكره المرأة. فقالت له: إذن ما هي الحقيقة فقال الحقيقة أنني أفهم طبيعة المرأة جيدا، أفهم نفسيتها، ولي رأى فيها. فسألته: إذن لماذا لم تتزوج فقال: لأني لم أجد الزوجة المناسبة جيدا أو لأنني لم أجد التبادل العاطفي بين روحي وبين من أحببت، ولقد أحببت في سن مبكرة، الرابعة عشره، وكان حبا صبيانيا فقالت له: يبدو أن الحب كان دائما عندك من طرف واحد، فضحك العقاد وهو يردد بيت قيس بن الملوح جننا بليلى وهي جنت بغيرنا    وأخرى بنا مجنونة لا نريدها

عاش العقاد حياة حافلة بالمجد الأدبى والصحفى ولكنه لم يحظ بالحب الوجدانى الذى كان يتلاءم مع طبيعته الشغوفة الوجدانية ومن أهم اقواله عن القراءة

كلا  لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لازداد عمراً في تقدير الحساب وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الانسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب.
فكرتك أنت فكرة واحدة شعورك أنت شعور واحد خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك .ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى، أو لاقيت بشعورك شعوراً آخر، أو لاقيت بخيالك خيال غيرك .. فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين، أو أن الشعور يصبح شعورين، أو أن الخيال يصبح خيالين كلا وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات من الفكر في القوة والعمق والامتداد لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة .. ولكنني أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني  ومهما يأكل الانسان فإنه لن يأكل بأكثر من معدة واحدة، ومهما يلبس فإنه لن يلبس على غير جسد واحد، ومهما يتنقل في البلاد فإنه لن يستطيع أن يحل في مكانين. ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات في عمر واحد، ويستطيع أن يضاعف فكره وشعوره وخياله كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل، وتتضاعف الصورة بين مرآتين

وقد توفى عباس العقاد فى يوم 12 مارس عام 1964 بعد ان خلّف وراءه تراثا ثقافيا وفكرياَ من شعرونثر  وكتب سيرة ليقدم للعالم نموذج للعصامية والتعلم الذاتى أى متعلم بدون معلم فكان المتعلم والمعلم فى آن واحد لعمرى معجزة الفكر التى لن يجود  بمثلها الزمان

 

التعليق من فيس بوك

Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (1 صوت, بتقييم: 7.00 من 7)
Loading...


عن الكاتب

Sarah Elshikh
ولدت فى محافظة الجيزة وتخرجت من كلية التجارة وعملت معلمة لمدة خمس سنوات وحصلت على دبلوم تربوى عام 2014 بتقدير عام جيد جداً مرتفع ثم تركت التدريس للتفرغ للكتابة والأدب ومن أحب اعمالى الأدبية لغتنا الجميلة وخلق الطموح وقصيدة فى ظلال الحب وثورة على ضفاف النيل