عادت تؤلمني أسناني

عادت تؤلمني أسناني ..
أفتح فمي وأتأمل ما صنعه الزمان بأسناني بينما تضحك أمي على شئ أجهله ،ويحدثني أبي في أمر ما وهو يدخن سيجارته في الحمام ، تكف أمي عن الضحك وتطيل النظر إلي كمن تتفقد روحي بحثا عن ورم ما أو جرح غائر . أشيح بوجهي عنها كمريض سرطان يتحاشى أعين المتفائلين وحديثهم الرتيب عن الأمل والحياة والحب . أبحث عن أقراص فوارة مفترض أن تعمل كمسكن للألم ولا أجدها ، فتتبعني أمي الى غرفتي وتسألني عنها “هي عاملة ايه ؟ اخباركم ايه مع بعض ؟”
– كويسين يا ماما .. كويسين !
لا يمكن لأمي أن تكف عن السؤال عن تلك الأشياء التي تعلم جيدا أنني لن أصدق بشأنها . ثمة دافع اخر لديها من السؤال عن تلك الأمور غير معرفة الجواب ، كأن تقول لي “اراك” في صيغة سؤال أجيبه بالأكاذيب ، في طفولتي كانت تفعل الأمر نفسه كلما حاولت اخفاء الزي المدرسي .كانت تطلب مني البحث عنه في المكان الذي خبئته فيه بالضبط ! كانها تقول “اعرف .. اراك”
ربما من الحماقة ان تحاول مراوغة امرأة تأملت لون فضلاتك يوما بحثا عن ألم لم تفصح عنه . لكن الحماقة الكبرى هى ألا تعد لنفسك مكانا آمنا للبكاء بعد رحيل الحب عنك . ذلك اننا لا نحسب حسابا لهذا بينما نحب . نخبر العالم بما في داخلنا ونستضيف أعينهم في ثقوب غرفنا الخاصة حتى اننا قد نحيل جدران غرفة نومنا الى الزجاج الشفاف . فتنتهي القصة والتي حتما تنتهي ولا نجد مكانا صالحا للحزن !
أين ابكيها الآن ؟ لقد صرت أخطط للحزن بشكل لا يليق به او بي . أشعر بعيون الجميع تحاوطني فيما يشبه الحصار ، تلمع كنصال تمزق جسدي كلما مررت بها . حتى الكتابة عزت علي كأنما تعاقبني على هجري السابق وعلى الحماقات التي تفوهت بها عندما رددت على جملة “افتقد نصوصك” بأن الكتابة هي الزوجة التي اختارتها لي أمي والتي لا يصح العودة اليها الا في غياب الحبيبة !

ها قد عدت وأبقتني الكتابة مطرودا خلف ابوابها . لا استطيع البكاء ولا الكتابة وسط هذا القدر من الأعين المحدقة بأحزاني . صرت أخشى البكاء بأرض خاوية حتى لا يشي بي القمر ويعرض حقيقتي الهشة في فقرة الفضائح على شاشات التلفاز .
ربما لست بحاجة للبكاء ، ربما تنقصني حبكة منطقية لتلك الفتاة التي سترى في احزاني الدفينة اغراء ما ،وخلف أبوابي المغلقة سرا عظيما يستحق التحدي . على الأسرار التي نخفيها أن تكون عظيمة ،أو لتسقط عنها عباءة الخصوصية وتلقى للعامة ببساطة أخبار الأرصاد الجوية وحالة الطقس . يؤسفني ان ما بي ليس عظيما لهذا الحد . الكفر الذي تشي به نظراتي لكل جميل قد يأتي ، احكام اغلاق الابواب والنوافذ في وجه فوضى العالم واجاباتي القاطعة الحاسمة التي تحترف الصد واللامبالاة وكل شئ أفعله .. لا يخفي ما هو أخطر . لكن ما بي _على بساطته_ يؤلمني ألما عظيما . ربما لهذا سأكتفي بالاجابة عن سر الحزن والذبول بكلمة واحدة . سأقول “أحببت” وأصمت .
عادت أسناني تؤلمني ، والذكريات معلقة على جدران الغرفة الى جوار الثقوب الممتلئة بالأعين الفضولية وعلامات الاستفهام ، ضجيج وألم وذكريات وخوف وحزن ورأس أمي يطل لتقول “أراك” ،ولا استطيع الكتابة ولا البكاء ولا تلفيق قصة اكثر منطقية لما حدث . لكني لا احتاج لكل هذا ، ربما ماينقصني حقا هو أن اعرف ما الذي احتاجه الآن غير الاقراص الفوارة التي من المفترض أن تعمل كمسكن للألم ولا أجدها .

التعليق من فيس بوك




تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (1 صوت, بتقييم: 7.00 من 7)
Loading...

عن الكاتب

زائر
عضويه غير حقيقيه تنسب اليها المحتوى الذى يضيفه الزوار
  • تواصل مع زائر: