اسم الهوى : كتاب…

اسم الهوى : كتاب…
عبد الجليل لعميري
51

 

اسم الهوى : كتاب…..

عبدالجليل لعميري.



فتحت عيني ،في طفولتي المبكرة ،على صندوق أبي الخشبي ،المائل لونه إلى حمرة فقدت بريقها…لاحظت أن أبي يعتني به عناية خاصة ، ويضعه قرب رأسه بغرفة نومه التي نقتسمها معه انا وأمي ، يضع فوقع زربية ملونة بالأزرق والأصفر أهداها له احد الحجاج…ولا يفتحه إلا لماما…الغريب انه كان بلا قفل…على عكس صندوق المئونة الذي تتكلف به أمي…كنت أعرف محتويات هذا الصندوق : شاي وسكر وقطاني وبعض المكسرات والحلبة و الزعتر…ولكن الصندوق الأحمر ظل مجهولا لدي…إلى أن كبرت لدي فكرة طفولية طفيلية “لماذا لا أتجسس على محتويات هذا الصندوق الغامض ؟”.

وفعلا تسللت في غفلة من الجميع وغامرت بفتح الباب السحري الذي سأسافر عبره في رحلة هوى لا منتهية…ماذا شأكتشف؟ لم يكن وعيي يسمح لي بتميز الأشياء بدقة كما سأعرف لاحقا…مجلدات ضخمة في حدود الأربعة أو الخمسة وبعض الكتب الصغيرة (في حدود ثلاثة)،ورزمة أوراق مكتوبة يدويا وسبحات بعضها يشع منها ضوء…ودواة كحل كنت أشاهد أبي يستعملها في بعض المناسبات…وروائح كافور….وأقلام من قصب معفرة الرؤوس…ولوحة خشبية مخطوط عليها آيات قرآنية…

خرجت من المغامرة بأسئلة جديدة : ما هي هذه الأشياء؟ولماذا يحرص أبي على تخزينها بعناية شديدة ؟

سأعرف لاحقا ،بعد أن دخلت المدرسة ، وبدأت الدردشة مع والدي ،بان تلك الأشياء الثمينة هي كتب في خزانة أبي الشخصية في زمن لا تجد فيه اهتماما بالكتاب …خصوصا في البوادي زمن الستينيات والسبعينيات…سأتعرف على تلك الكتب من خلال تلخيص والدي لها وشرحها لي ، ثم لاحقا من خلال قراءة بعضها…كان المجلد الأول نسخة من القران بالخط العثماني …وكانت رزمة الأوراق نسخة مخطوطة للقران بيد والدي بحبر صيني احمر،وكان خطه جميلا واضحا …والمجلدات الأخرى لألف ليلة وليلة وسيرة سيف بن ذي يزن وكتيب شرح المعلقات السبع وألفية بن مالك و الجرومية…

يحكي الوالد بان كتابة نسخة من القران تطلبت منه بضعة أشهر تنيف على السنة ، وتطلبت منه بضعة  قوارير من الحبر الصيني الذي بدأ يغزو الاسواق…  وعشرات الصفحات من الورق المقوى الذي كان يحصل عليه بشق الأنفس…

بعد وفاة الوالد جاء بعض طلبته إلى الوالدة فأعطتهم محتويات الصندوق ولم يبق منه سوى نسخة القران المطبوعة….وضاع الكنز….لكن ظلت رائحة الكتب في ذاكرتي وانأ أتابع رحلتي في اتجاه المستقبل…رائحة أشمها كلما فتحت كتابا للقراءة أو فكرت في الكتابة …كلما أنجزت درسا أو اشتريت مجلة آو جريدة …بل حتى كلما فتحت صفحة ويب وأبحرت عبر العالم العنكبوتي….ترافقني صورة ذلك الصندوق الأحمر الذي تفوح منه روائح الكافور و القراءة…

كان الهوى كتاب ومازال……

التعليق من فيس بوك

    51
    المصدر: mqalaty.com

    تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
    نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (1 صوت, بتقييم: 6.00 من 7)
    Loading...

    عن الكاتب

    عبدالجليل لعميري
    كاتب من المغرب مهتم بالكتابة القصصية والنقدية والتربوية...نشرت بعض كتاباتي بجرائد ومجلات مغربية وعربية...ومواقع الكترونية...
    • تواصل مع jalil laamiri: