حينما سالت دموع أمي …!

حينما سالت دموع  أمي …!
1

 

مضت السنوات تجري مسرعة كجري عدائيّ المسافات القصيرة ، تسابق أنفاسي في مضمار الحياة….و تُقلب صفحاتها حتى أصبحت ذات حجم كبير …. و كبرت معها آلامي وأحزاني …. دققت باب مرحلة الشباب العمرية مُثقلٌ بإلتزامات عدّة …. أحمل شهادات في مجتمع يُسبح بقدسية الدينار و بحمد الدرهم …. كما أتزود بغريبٍ اسمه المبادئ و الأخلاق …. و اُصاحب صديق لا يفارقني ليل نهار يُلقب بالإفلاس …. يُشار اليّ بالبنان من وراء الظهر …. “انظروا لداهية العصر” …. ثم في صمت يضحك الشامتون و يُألِّفون سيرتي في دواوين الهجاء …. وربما قصوها على أطفالهم قبل نومهم و جعلوني فيها الذئب الذي أكل صغار العنزات.

سئمت العيش في غربة الوطن …. و كم هي مُرة غربة الوطن…. فقررت الرحيل….  بعيدا عين الأعين…. فلربما يصفو لي العيش و أتذوق حلاوة الحياة الذي عكرته فلسفة البشر و سطحية الافكار.



images

تفقدت جواز سفري فوجدته يلبس رداءاً من الغبار…. نفضته ثم عانقته فلست أرى فيه الاّ جسرا يوصلوني إلى جنة الأحلام ، حيث تُفتح لي أبوابها المُذّهبة …. ألٍّج فيها برفق…. و بين أغصانها الباسقة تتلقفني يداً ناعمة …. صاحبتها فائقة الجمال …. تضع يدها في يدي …. ثم نجري سوياً في مروجها الخضراء.

بدأت في جمع أغراضي …. كم كانت خفيفة …. و ألوانها الباهتة تُضيّق انشراح الصدور …. أول مرة أتذوق الألوان و أكتشف أنّني لست صاحب ذوق فيها.

حانت لحظة الإعلان…. تقدمت بخطىً متثاقلة تشبه خطى الأسير المقيد بأغلال حديدية…..ناديت على أمي بصوت متقطع ترافقه غصة في القلب…. جاءت كعادتها مسرعة تلبي النداء و كأنّ بساط الريح يحملها “ها بني أطلب ، روحي فداك”…. تزلزل لساني…. و بدأت معركة السيطرة عليه شبه مستحيلة…. و على حين غرّة من مشاعري قلت ” أمي أريد الرحيل ” .

تسمرت… ثم ارتعدت ….و أطبقت سمائها على قلبها الرهيف !!!

تناولت يدها و بدأت أشرح لها واقعي …. أنا جثة وسط الشامتين…. مُفلس في عيون الناقدين…. رقم بطالة  في سجلات المسؤولين…. لست فارس احلام للعاشقات …. بقائي موت و رحيلي حياة…. إقتنعت أو تظاهرت لا أدري ؟

دعت لي في شهادتي – و في الغيب كم انال من دعوات – …. قبلتها على يدها ورأسها وضممتها ضمة الوداع….ورافقني أخي الى حيث الباب….ومن مسافة ليست بالبعيدة …. إلتفت….و ياليتني ما ألتفت!…. وجدتها واقفة ترمق خطايا بعين حزينة…. ودمعها الغالي ينسكب معلناً بداية قصة حزنها الذي لا ينتهي.

ابوعاصم الجزائري

التعليق من فيس بوك

1

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (لم يتم التقييم من قبل ..كن أول من يقيم هذه المقالة)
Loading...

عن الكاتب

Naimi