مقالة مدارس ما قبل الأنترنت.

مقالة مدارس ما قبل الأنترنت.

مـــذكـــرات مـــدارس مـــا قـــبـــل الأنـــتـــرنـــت.
في ارتحالنا الملهم لطرق بوابات الماضي عبر الاستذكار يصدمنا موت الأمكنة الحاصل بفعل غبار الزمن ، هناك تلتقي الروح في محطة استراحة وتتهادى المذكرات وهي في الأغلب الأعم إما ترنيمة حزن أو خداع للنفس بإدعاء معايشة اللحظة السعيدة وهي في واقع الحال حالة جد قصيرة من السعادة !
هذا الاستبطان المتعجل لإشراقية اللوز من الداخل وبالأخص في مرحلة الطفولة المدرسية ، هو سعي حثيث لاستبدال المرارة الماثلة أمام أعيننا بزمن مؤنسن أو لنقل هو حالة إسقاط على الماضي .
شـــاعـــت مـــدارس الكتاتـــيـــب في القرن التاسع عشر ، أما في قرننا الحالي : الحادي والعشرين فقد توهج الزيت في قناديل مدارس الأنترنت ، ترى ماذا عن مدارس القرن العشرين : مدارس الغرف الصفية التي ترمم نفسها في وجه الزمن لئلا تلحق بالديناصور .
لعل أحداث الطفولة المبكرة لم تكن حافلة إلى ذلك الحد الذي يجعلني أؤرخ بواحدة منهن، إلا أنه في واقع الحال كانت هناك ثمة أحداث لها طابع خاص مترسخ في الذاكرة ، ومع هذا كله لا أعتقد أن اليوم الأول الذي ذهبت فيه إلى المدرسة كان حدثاً حافلاً ، فهو وبكل بساطة كان كغيره من الأيام ، والرهبة التي يروق للكثيرين الحديث عنها ليست موجودة إلا في قواميس الضعاف.
لم يكن الانضباط المدرسي والجلوس على المقاعد الخشبية ، وتركيز النظر على المعلم واللوح من خلفه شيئاً عادياً ، فهذه تعترضنا للمرة الأولى ، وربما خفف من وقعها أن المدرسة لم تكن بعيدة عن البيت .
لا يغيب عن الذاكرة بناء المدرسة المكوّن من سلسلة من الغرف المتجاورة ، المشابهة لعنابر السجناء وقد تموضع موقع الإدارة المدرسية وغرفة المعلمين إلى أقصى تلك السلسلة ،وقد جاءت بهذا الوصف مشابهة للمدرسة الأولى التي كانت في بيت المرحوم عياد أبوحميد ، ولحسن الحظ فإن ضوء الشمس كان يجد طريقه لأغلب الغرف الصفية على الرغم من بساطة بنائها .
تغيرت الأمور بعيد انتقال مدرستنا للمقر الجديد في منزل المرحوم عبد الله أبوعيد ، كان الزحام يلازم كل شيء : دورات المياه ، وقت الفسحة ،الشراء من المقصف المدرسي ،الشارع القروي المقابل،بدا كل شيءيشهد زحاما، انتقلنا من الزمن القروي لعولمة أتت مبكرة .
والأكثر إيلاما منظرالإدارة فقد كانت ضيقة بصورة مؤلمة ولم يكن هنالك على الإطلاق أي حضور للنباتات أو الأشجار ، وربما هذا مردة لكون البناء كان مستأجراً.
ولسوء الحظ لم تكن ساحة المدرسة متسعة مما دفع بمدير المدرسة آنذاك ليجعل الاصطفاف في الشارع ورصيفه الترابي وما جاوره مقابل المدرسة إلا أن النقل الأخير إلى قطعة أرض تبرع بها والدي وإنشاء مدرسة شمولية فيها كان له ما بعده .
في الأيام الأولى من الالتحاق بالمدرسة بدا لنا المعلم الذي لم نعهده من قبل رجلاً قاسياً،لا يعرف الرحمة ، وعصاه الطويلة تعطي للمدرسة مذاقاً آخر ، وكان عدد الطلاب في الصف الدراسي في حده الأقصى يقفز لخمسة وعشرين طالباً ، ولكل واحد منهم نصيبه من هذه العصا الطويلة ، والتي اصطلح على تسميتهامن قبيل المداعبة بأم العبد ، كان الأستاذ فارع الطول – أو لعله كان يبدو هكذا لنا نحن الصغار- أما بشرته المعتدلة فكانت تميل إلى التوسط بين البياض والسمرة ، وتلمس في محياه الجد والصرامة ، ولكنه لم يكن يخلو من المكر إلى حد أن أي حركة بسيطة حتى لو كانت بريئة لا تخفى عليه ، ولم نكن نجرؤ على الهمس في حضوره إلى غرفة الصف ، كان يظهر لنا وكأنه يمتلك قوى سحرية عندما كان يخبرنا أنه مطلع على ما قمنا به في العطلة الصيفية، إلا أن تفسير ذلك بسيط للغاية ؛ فقد كان يمتلك سيارة صغيرة (FOX) ، يتندر بها الطلاب ، فيكفيه أن يمر بها مرة واحدة في الأسبوع في شارع القرية الوحيد ليزور أحد زملاءه ، ومع بضع التفاتات منه هنا وهناك ،كانت تلك كفيلةً بإعداد تقرير شامل عما فعلناه في العطلة الصيفية .
وحقيقة الأمر أن الأستاذ كان يجد لذة في التدريس كنت ألمحها فيه ، في هذه القرية الصغيرة على أطراف العاصمة عمان ، وقد تأثرت به في استساخ التجربة حينما قمت بالتدريس في قرى النعيمات في جنوب المملكة وكان ذلك قبيل مطلع الألفية الجديدة بسنتين .
ولعله من الصعب نسيان تلك الحادثة المروعة في نظرنا نحن الصغار ، فقد تأخر الأستاذ عن المجيء إلى غرفة الصف ، مما أثار فضولنا لمعرفة السبب ، فشرع الطلاب يتدافعون مقتربين من باب الصف الذي كان الأقرب لغرفة المعلمين ، وقد هالهم مسمع أصوات صادرة تتعالى من تلك الغرفة ، وبدا الجميع يخمن حدوث مشكلة بين بعض المعلمين والمعلم في نظر الصغار له هالته الخاصة بل وقداسته وكأنه معصوم من هذه الأمور ، فتحفظ الجميع في سرائرهم على هذا الموقف ، ولم يجرؤ أحد من الطلاب على ذكره أومكاشفة الأستاذ به بعد أن قدم للصف ، وإن كانوا لم يجدوا لتلك الأصوات وجها من القبول .
ولآذار هو الآخر نصيبه من الذاكرة ،فقدخرجنا ذات مرة برفقة معلم العربية خارج أسوار المدرسة ، لنتلقى أنشودة جميلة بعنوان فلسطين داري للشاعر السوري سليمان العيسى وكانت ظهورنا مستندة إلى واجهة المدرسة الأمامية ، وأوجهنا باتجاه الشارع العام وقد أسميناها فيما بعد بالحصة الشمسية ، ولكن سرعان ما عدنا إلى رطوبة الصف وأعيننا تتطلع إلى الخلاص من رطوبة الصف القاتلة لكن دون جدوى .
ومن حسن الطالع أن مسجد القرية كان مجاوراً للمدرسة ،مما جعلنا نستشعر الهيبة الدينية في أنفسنا،مبتعدين عما يعكر صفو المدرسة من ارتكاب للأخطاء ،وهذاماجعل المعلمين لا يلقون بالاً لعادة تعيين عريف للصف لكتابة أسماء المشاغبين،وإن تم هذا ففي نطاق ضيق،وإن نسينا فلن ننسى تلك الأيام الربيعية التي يصطحبنا فيها معلم العربية ، فقد كان يمزج بين المدرسة والواقع ، فكان يصطحبنا إلى جبل القرية قريباً من ديوان القرية في الجهة الشرقية منها حيث الإطلالة الكاملة على البلدة الصناعية المجاورة، ومن المؤكد أن أي طالب يمتلك بصراً حاداً لن يجد صعوبة في رؤية امتداد الأفق!
وقد كانت تجثم على صدر جبل القرية آنذاك قلعة ولازالت بقاياها ليومنا هذا ، مبنى قديم يروي عنه الناس الحكايات العديدة و لعله كان مقراً لحامية تركية في بدايات القرن الماضي .
ومن بعيد كان صوت القطار قريبا من صوامع الحبوب ، يمر محدثا تأثيرا سحرياً في جو المدرسة وكان يثير فينا نحن الصغار شعوراً بالحنين لعبق الماضي،وذكرياته الجميلة عندما كانت الحياة تسير على وتيرة أخرى خلافا لما هي عليه الآن في هذا القرن الجديد المنفتح على كل الاحتمالات ، وقد طبع نفسه بطابع الأنترنت وامتدت العاصمة عمان لتصبح عمان الكبرى المقبلة على الحياة بوجه جديد استعداداً لعصر الرقميات والأنترنت.
الجمعة : 28 تشرين أول 2016
——————————————
صاحب مدونة أقلام الذاكرة ، الكاتب : يـــاســـر ســـلـــيـــمـــان أبـــوغـــلـــيـــون
نزهة القويسمة . عمان

التعليق من فيس بوك


Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (لم يتم التقييم من قبل ..كن أول من يقيم هذه المقالة)
Loading...


عن الكاتب

زائر

عضويه غير حقيقيه تنسب اليها المحتوى الذى يضيفه الزوار

  • تواصل مع زائر: