لا تكن متفرجاً !

لا تكن متفرجاً !
1

لا يحدث أن حزِنتُ مؤخرا ..
لأنني أجد نفسي أمارس عادة قبيحة و هي التفرج .. بحجة الهروب من واقعي المؤلم .. الناس كالنمل في كل مكان هنا و هناك و من ارتفاع عال و أنا أشاهدهم يبدو لي أن كل واحد حظه يساوي حظ الآخر و كلهم لهم مصير واحد
إنهم كحبّات البنّ لهم وظيفة واحدة و مصير واحد .. إنهم خليط متجانس و رغم ذلك لا أرى بينهم أية نوع من الإرتباط كل يتخذ سبيله كالأحمق لا يبدو لي أحد منهم عاقلا .. لم لا يصعد أحدهم ليستلقي فوق سحابة التفرج هذه و ليرى العذاب الذي كان فيه
لكن إذا عكسنا الصورة و عكسنا زاوية المراقبة و وضعنا الكاميرا في الأسفل .. لما رمقني أحد منهم
إنه الواقع
لن يلحظني رجل يعاني من أمراض جسدية و نفسية .. جسده يعرف ضغط دم دائم الإرتفاع و لا يستطيع النوم ليلا إلا بعد أن يشرب أقراص منومة . أمه في دار العجزة مريضة بالزهايمر يزورها أحيانا ، لم يستطع إبقائها معه لأن زوجته المتسلطة ترفض ذلك و رأسه يكاد ينفجر من طلبات مديره له ..
إنه مرهق و يعاني و هو لا يعرف الراحة ..محاصر بين عمله وطلبات زوجته التي لا تنتهي و مصروف البيت و مصاريف الدراسة و تأنيب ضميره تجاه أمه إنه ينتهي يوما بعدا يوم لكن شيئا ما من عزيمته و إرادته يجبره على الإستمرار و النضال و لا يهتم مع ذلك بما يضر به نفسه لأنه نفسه تتجدد بالإيمان كما يتجدد نسيج جسده بالتغدية السليمة و هو يحارب الراحة و يحارب كل ما يعجزه لأنه يدري أنها سنة الحياة و أن راحته في الدنيا ستجلب له العار و الخزي في الدنيا و الآخرة..
إنه أفضل من المتفرج الفاشل في كل الشيء ..
المتفرج أصابه فشل دائم و عجز في مفاصل نفسه المريضة و هو ينتظر مصيره بلهفة .. و ينتظر النهاية بشوق .. هذا هو التشويق الذي يعرفه فقط . أما كل من حوله مجرد دمى حمقى متحركة لا تعرف إلى أين تخطو .. و كل من حوله مجرد عبث و مجرد تماثيل ستددمر
المتفرج مات من كثرة الملل الذي حوله .. ونور وجهه بدأ ينطفئ ، ولم يعد مباليا بالمرة و أصبح كالجثة بالنسبة لغيره
إن ما أَوْقفَهُ بيده أوقف الحياة من حوله و أَوقف دوره ، و نكرانه أن ما يحدث حوله أنزله الله بإحداثيات متقنة جعله يفقد الإطمئنان الذي كان بداخله و جعله يتجرد من روحه التي نفخها لله منه في البداية إلى أن تحول من الحي إلى المتفرج ثم إلى الميت .. أصبح مرضه توليفة دائمة اعتاد عليه لم يعد يحتاج طبيب .. و لأنه لم يحاول علاج نفسه في بداية المرض أصلا !

التعليق من فيس بوك



1

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (2 صوت, بتقييم: 6.50 من 7)
Loading...

عن الكاتب