الفضاء الروحي

الفضاء الروحي
عدنا لحياة قررنا كسر اشتياقنا لها، عزمنا على ترك العزيز “الويفي” ليئن وحده، قررنا نسيانه لبعض الأيام وعدنا لبساطة الحياة، ويمكن أن أقول.. فطرية الحياة، والتي نبدأها بالاستيقاظ المتأخر، فلا عمل ولا مدرسة، وفطورنا يكون جماعيا بنقاش وسرد ما يروق لنا من أحاديث وحكي، و بعد ذلك لكل وجهته الخاصة.. منا من يرسم، من يكتب، من يخرج للتجول، ومنا من ينجز أشغال البيت بكل نشاط وهمة.
أول يوم.. وقد مر بسلام، رغم أنه كان صعبا شيئا ما بسبب الاشتياق للكائن الأزرق ؛ يوم طبيعي وصحي، قضينا فيه وقتا ممتعا مع بعضنا، رجع الانتعاش مجددا إلى حياتنا التي افتقدناها بسب التكنولوجيا البئيسة، مثلنا مثل جل العائلات في هذا العصر المرير ؛ مرَ …وبالقليل من العزم والإرادة استطعنا التغلب على مشكلنا العسير، مشكلة مواقع التواصل .. آفة العصر.
الآن وقد نزل الليل، الوقت الذي يتجه فيه معظمنا، كل إلى عالمه الخاص.. من مواقع تواصل، مواقع ألعاب ومنتديات.. ها نحن نجتمع في غرفة واحدة، مفصولين عن عالم الإنترنيت المميت، محاولين إعادة زمن جميل قد ولى، والكل يحاول الوفاء بالعهد ببذل جهد التغلب على العادة اليومية، وفعلا.. فالعالم المفصول عالم رائع جدا رغم الإحساس بافتقاد عالم التواصل الذي تسلل كل روح محيت فيها الأمية وتوفرت على القليل من المال، فهو قد غزى الكل، لأن هذا الكل وبكل بساطة لا يحتاج معه إلى الكثير من الثقافة أو المعرفة فالقليل يكفي.. أن تكون غير أمي فقط، وهذا هو المطلوب، ولكن.. أيها الغير أمي.. ألا يمكنك أن تحسن مستواك العلمي والثقافي؟ أن تحصل على شهادات لم تستطع الحصول عليها لغلاء أسعارها على أرض واقعك ؟ يا عزيزي القليل الحيلة، الهارب من مجتمع القهر والحرمان، أن تدخل عالم الإنترنيت ليس هو أن تتصفح مواقع الإباحة التي صنعت لأجل تدميرك.. ليس هو تضييع وقتك فيما لا ينفع، ليس هو أن تطارد الجميلات، ومؤكد ليس هو المكان المناسب لتجد عروستك.. شريكة حياتك، موجودة ربما في نافدة تقابل بيتك، ربما في طريقك أو عملك وربما وربما… ولن أريك أنا أين تجد رفيقة دربك.. أنا فقط أريدك أن تقول لي.. ماذا تستفيد مما تشاهده من زندقة وفساد ؟ ما تستفيده من معاكسة شابات يمررن بطيش المراهقة يحتجن إلى الإرشاد ؟ لتأتي أنت، ومن زمن بعيد.. ولست أدري كم استغرقت لتصل، ربما أٌنهكت قواك، فتقع على الفريسة وتستغل سذاجتها وجهلها، فهنيئا لك السقوط في قعر الهاوية التي لن تستفيق منها ولو حاولت، ويا صديقي.. إن هناك مواقع علم ودين، ثقافة وتدريب، بل وكل ما تحتاجه لتنوير عقلك وعقل غيرك إن استطعت.. فلم الفساد الإلكتروني المميت، خيوط العنكبوت المسمومة، ويا عزيزتي أنت.. بالله عليك عدي إلى رشدك، استفيقي.. أنقذي نفسك من توه الانترنيت، عودي لدينك، لثقافتك لأصلك، ما تفعلينه لا يشرفك، ستندمين عليه، ومؤكد قد ضاع المستقبل وينقذك ربك إن صلٌحت.
عالم التواصل.. عالم تعارف وتقارب بين الشعوب ودعوة إلى منهج قويم مبني على قيم نبيلة ومبادئ سامية وقد حثنا ربنا عز وجل على تجاوز القطيعة بقوله تعالى في الآية 13 من سورة الحجرات : “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” صدق الله العظيم، وهو الذي بعث نبيه رسولاً للعالم أجمع، فلنقتد بقرآنه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولنحاول أن نكون من المصلحين.
وكم نحن بحاجة إلى تصفية عقولنا وقلوبنا من التشاحن والتباغض، وبناء جسور من التواصل للقريب قبل البعيد وعدم الاستسلام للنزعات الحزبية، الجغرافية والفئوية التي أفلحت في ترسيخ داء القطيعة الذي ينخر شرائح مجتمعاتنا وبلداننا، ويقف عرقلة في وجه تقدمها ونهوضها، فعالم التواصل عالم مريح، ويفتح لنا كل باب نطرقه، وينقلنا إلى حيث الحب والجمال، العلم والمعرفة، الثقافة والوعي، فقط وجب علينا حسن الاستعمال.
أعود للحكي.. الأطفال يدندنون وينشدون، راق لهم اللعب، فالجو ممطر وهم يستمتعون بصوت قطراته التي تشوشها الأجهزة الالكترونية إن وجدت، ولكن.. رغم كل ما قلته فاني اشتاق عالمي الروحي الذي أجد فيه ما يملا مخيلتي من فنون، قصص، مقالات وأشعار ، وأجد ما يشبهني وينقصني في واقع الحياة.
هذا الكائن جميل وبربطه بالدراسة والثقافة يمسي أجمل، وقد ركن بداخلي ولا يمكننني الاستغناء عنه رغم ما يمكن أن أتعرض له من مساوئ..
وأنت عزيزتي.. لا يروق لي ما تفعلينه على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لم تستعيرين اسما مزيفا ؟ من ورد أبيض، أميرة الشمس، نرجس الأمل، عسل مصفي، تفاحة بيضاء … ما هذا الهراء ؟ هل يرضيك هذا الاسم ؟ هل يشرفك حمله ؟ لم تقبلين بالسيئ. ؟ اجعلي تصرفاتك لائقة واربطي أسمك بما يليق وإن غيرت فلا تشوهي… وكما قال شكسبير “أعطاك الله وجهاً، وأنت تصنع لنفسك آخر”، ويا ليت هذا الآخر يليق.. .
وأنتَ يا لينا… كن رجلا فلك ورقة تعريف، انقل منها اسمك بدون أخطاء لكي لا تشوه الروح التي بداخلك، كن رجلا… يا سيدي، أخي وأبي… هل أعتمد عليكَ يا لينا ؟.. قٌطعتَ يا لينا… لن تشرفني صداقتك، ومن أصادق ومع من أتعامل ؟ متخفي متلثم… قطعتَ وإن أكن أنا.
يا شباب، ارتقوا.. ولنصنع عالما افتراضيا جميلا ما دمنا لا نستطيع الاستغناء، وكيف يكون افتراضا وأنا أرى أرواحا تتكلم، تتناقش، تسمع وترى، فالافتراض لا يصنع كل هذا، أنتم.. أنتم، ولا غيركم.. فقط يغيب الجسد، وتحضر الروح والفكر، وهذا أعظم بكثير.
من غير التكنولوجيا نحيا حياة حقيقية رغم عزلتنا عن عالم الفكر، ففي العالم المفصول، ستجد نفسك مصابا بالخمول وربما بدأ مرض الزهايمر يتجول في خلايا مخك لعدم عملها وتنشيطها بشكل مستمر، لأنك وبكل بساطة تأكل، تشتغل وتنام، ولا تقل لي سأتنقل إلى دور الثقافة، المكتبات، المعارض وسأقرأ الكتب، الجرائد والمجلات.. فهذا أراه زمن قد ولى، أعدمه الفقر وبؤس التسيير من السلطات وتدهور التعليم وزد على ذلك الكثير، وهذا ليس موضوعي الآن…..الانترنيت يوفر لك كل شيء و لا تحتاج معه للمال أو التنقل، ومادام متوفرا وبثمن بخس، فلتستغل يا صديقي هذه النعمة فيما يرضي الله ويرضيك. أعود وأقول لكم، بعيدا عن الإنترنيت كتبت مقالتي، وها قد انتهى اليوم الأول وإلى الموالي، مشابه وغير مغاير طبعا…
وإليكم قصيدة “قصة الفيسبوك”
بقلم د. محمد إبراهيم العشماوي.
إليكُم يا دُعاةَ الاغتراب
إليكم من شيوخٍ أو شبابِ
رأيت “الفيسَ” مضيعةً لوقتي
ومدْعاةً إلى ترْكِ الكتابِ
ومَلهاةً عن الصلواتِ حتَّى
يضلَّ المرءُ فيه عن الصوابِ
ومكلمةً لزيدٍ أو لعمروٍ
ومشغلةً بهندٍ أو ربابِ!
وإعجابا بأشياءٍ أَراني
بها واللهِ في عجبٍ عجابِ !
فهذا معجبٌ بفحيحِ أفعى
وهذا يشتهي نبحَ الكلابِ !
رأيتُ حبائلَ الشيطانِ فيهِ
يصيدُ بها البريةَ في الشعابِ
فكم من صورةٍ نشرتْ لأُنثى
فكانت كالوليمةِ للذئابِ
وكم من تافهٍ أبدَى جهاراً
سرائرَ بيته دونَ احتجابِ
وكم من نكتةٍ ذاعت وشاعت
يغادرها الحياءُ بلا إيابِ
وكم من ثورةٍ قامت عليهِ
بأنواع الشتائمِ والسبابِ
وكم من معجبٍ بالنفسِ
يزهو بأتباعٍ له مثل الذبابِ
وكم كذبٍ وتدليسٍ وغشٍّ ونصبٍ
واحتيالٍ واكتسابِ وفيه معارفٌ كثرتْ ولكنْ حَذارٍ من معارفهِ الكذابِ تحفَّظْ كيف شئتَ فلستَ تدْري فأنت تجوزُ في أرضٍ يبابِ إذا أغلقتَ أبوابَ المعاصي تنشكَ سهامها من أيِّ بابِ نعمْ هو نعمةُ المولى علينا ولكنْ أفسدَتهُ يدُ الخرابِ ! وفيه من الفوائدِ بعضُ شيءٍ ولكنْ إثمه فوق الثوابِ كشأن الخمر في نفعٍ وضرٍّ حقيقٌ بالبعادِ والاجتنابِ رأيتُ الفيسَ وهماً بعد وهمٍ يعيش الناسُ فيه على سرابِ كأنَّ الأرضَ قد ضاقتْ عليهم فعاشوا فوق أطناب السحابِ ! وهمْ واللهِ لو علموا جميعاً يعيشون الحياةَ على الترابِ نفوسٌ لم تجدْ أبداً مناها بعالمنا فلاذَتْ بانسحابِ وصار الفيسُ إدماناً لديها تقاسي منه أنواعَ العذابِ ولم أرَ جالساً للفيسِ إلا وقام يجرُّ أذيالَ اكتئابِ لأنَّ العالم الوهميَّ ولى وعاد إلى الحقيقةِ من غيابِ أخي، واجِهْ حياتك في جهادٍ وكن رجلاً على قدْرِ الصعابِ وكلُّ شديدةٍ طرقتكَ يوماً فقابِلها بصبرٍ واحتسابِ ولا تفررْ من الميدانِ إلا وفي كفيكَ أحلامُ الشبابِ شباب الفيسِ وَيحكمُ اسمعوني وكفوا عن ملامي أو عتابي أُحبُّ تطوُّرَ الأشياءِ لكنْ مع الأخلاقِ يمضي في اصطحابِ لقد جرَّبتُ هذا الفيسَ دهراً بعيداً منه من غير اقترابِ فشاهدتُ الذي أخبرتُ عنهُ فكيف إذا دخلتُ إلى الرِّحابِ ؟ وإني بعدَما شاهدتُ منهُ لمغلقُ صفحةٍ فيها حسابي !
بقلم حكيمة العطيوني/المغرب
التعليق من فيس بوك

Like
Like Love Haha Wow Sad Angry
1

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (1 صوت, بتقييم: 7.00 من 7)
Loading...


عن الكاتب