وحش طاعن في الضعف

وحش طاعن في الضعف

حين دخلت الغرفة البيضاء أحست بشيء جديد، شيء غاب عنها منذ أمد بعيد، كان ذهنها خال من كل التوقعات، “طبيبة هي هذا ما ظل عالقا ببالها آنذاك، دخلت مسرعة وهي تفتح حقيبتها وتخرج عدتها:
_ أين هو المريض؟
ردّ عليها مدير الدار:
_ هناك يا آنسة، السرير الثالث إلى اليمين.
سألته بصوت مطمئن وهي تبتسم دون أن ترفع رأسها:
_ صباح الخير يالحاج واشراك؟
قالتها وهي تقيس ضغطه، ردّ العجوز وهو مغمض العينين:
_ الحمد لله، الحمد لله؟
رفعت رأسهامبتسمة، فجمد الدم بعروقها، شخص بصرها وقد توقفت عن قياس الضغط، أحست بألم في معصمها، تفتقت جراحات الزمن العليل دفعة واحدة، تتالت انكساراتها الموغلة في القدم، مرت أمامها شريطا مظلم الأبعاد، أحست بوجود ثقب أسود خلفها، ثقب كبير يجذبها بقوة، ويملأ صفاء قلبها سوادا تجرعته حين كانت تهرّب براءتها منه إلى اللامكان.
” ياإلهي، إنه هو”.
ارتسم أمامها وجهه قبل أكثر من عشرين سنة وهو يجرها من شعرها ويرميها خارج المنزل، عاد إليها دويّ صوته:” إسمعي أيتها القذارة، أنا لست أباك، لست مجبرا على “علفك” كالبهائم، وفوق هذا تريدين الذهاب للمدرسة، هه أصلا الغباء عندكم وراثة…”
تنتابها صورة أمها وهي تحاول نزع شعرها من يده وتصرخ في وجهه:” دعها، ستقتل البنت.”
_ هذه القذارة ابنتي؟
_ اصمت أيها ال…
يصفعها “العم صالح” قبل أن تكمل فتسقط أرضا.
ينتبه مدير الدار إلى شرودها وحال العجوز التي ازدادت سوء:
_ آنستي، هل أنت بخير؟ أرجوك أسرعي، نحن قلقون على “عمي صالح” كثيرا.
_ لا تقلقوا، يبدو أنه أرهق نفسه قليلا، هذا كل ما في الأمر.
تقول ذلك وهي تتابع التحديق في انحناءات الزمن على وجهه، يجاهد العجوز ليتكلم دون أن يفتح عينيه:
_ هاه يا لالة الطبيبة واش صرالي؟
تبتسم الفتاة وهي تحرك رأسها “لازال فظا، حتى وهو على الحافة لازال متشبثا بالوحش في داخله”
_ شكرا لك يا آنسة، ربي يخليلك والديك.
_ لا أهل لي يا عم.
يرد العجوز بانكسار:
_ هي الأقدار يا بنيتي، أنا أيضا لا عائلة لي،لا زوجة، لا أولاد.
يصمت قليلا ثم يتمتم:” غريب”
_ مالغريب؟
_ لا أهل لك، كيف عشت، كيف درست، كيف صرت ماأنت عليه؟
_ اللي خلق مايضيّع يالحاج.
_ أعلم، لكنها فعلا مفارقة غريبة، أعذري فضول عجوز طاعن في السن.
يشيح بوجهه ناحية الجدار وهو لا زال مغمض العينين، يتمتم:” طاعن في الضعف”
نظرت إليه الفتاة مليّا، تأملته طويلا، ودّت لو تحمل عدتها وتغادر وهي تصرخ في وجهه:
_ أنا الفتاة التي كنت تسميها القذارة، أنا البنت الصغيرة التي منعتها من الذهاب إلى المدرسة وحبستها في العلية ليومين، تركت بصرها معلقا بالأطفال، بحقائبهم وهم يرتادون مدارسهم وهي تبتلع الغصة تلو الغصة، أنا…
لسبب ما توقف كل شيء بداخلها، تلاشت كل الخيالات التي سكنتها لسنين، لتحل محلها صورة أستاذها الغالي الذي سألها ذات مرة:” بنيتي لما لا تبتسمين؟ الحياة أقصر مما نتوقع، أقصر من أن تقضيها في هذا العبوس.”، يومها لم تعره اهتماما، لكن اهتمامه الدائم بها أخرجها من صمتها شيئا فشيئا، صار يعلم سبب عبوسها، أخبرته كيف أبصرت والدها وهو يغيب عن سمائها يوما بعد يوم ، أخبرته كيف طردها زوج أمها، وكيف انتشلتها امرأة غريبة من الشارع لتضعها في ميتم صغير، وصفت له غرفتها التي اسودّت جدرانها من الرّطوبة، وسريرها الذي كان يئن كلما جلست أو اضطجعت عليه، وبعد كل ذلك ردّ عليها أستاذها:
_ أنت الآن هنا، تحلمين بغد أفضل؟
_ نعم.
_ هذا هو انتصارك الوحيد والأكبر، العلم يابنيتي يبني بيوتا لا عماد لها، وأخلاقك يا صغيرتي ستطهّرك من أدران هذا الماضي، ستعبرين يوما على عتباته وتبتسمين، وتدركين أنك وأنت تكبرين قد كبر بداخلك الانسان، وأنهم وهم يكبرون قد ضعفت بداخلهم وحوشهم.
نظرت إلى العجوز وهي تردّد:” فعلا ضعفت بداخلهم وحوشهم”
وقفت “الطبيبة”:
_ لا بأس عليك يالحاج، مازالت البركة.
ابتعدت عن السرير ناحية الباب، تبعها مدير الدار:
_ كيف حاله، ماذا حصل له؟
_ حاله سيئة جدان يحتاج إلى عملية في أقرب وقت.
طأطأ الرجل رأسه:
_ هل هي مكلفة؟
_في الحقيقة أجل، كثيرا.
قالت هذا وهمّت بالانصراف، حين وصلت إلى عتبة الباب استدارت، لازال مغمض العينين، نظرت إلى آثار الجرح على معصمها:
_” خذي السكين، اقطعي يدك، هيا أيتها القذارة،تريدين شراء ساعة…”
_ لالا أرجوك، لا أريد شيئا، سامحني.
_ قلت اقطعي يدك.
تملصت من الباقي بصعوبة كبيرة، لكنها أحست بألم كبير يعادل ألم السكين وهو يمررها على معصمها.
انصرفت، فتحت سيارتها وهمت بالصعود لكنها عدلت، انتابها شعور غريب، صوت أستاذها لازال يتردد داخل روحها:” العلم يا بنيتي درب طاهر، سيملأ قلبك طيبة، سيجعلك تسامحين، تتعالين عن كل الأذى… وأخلاقك يا صغيرتي ستطهرك من أدران هذا الماضي، ستعبرين يوما على عتباته وتبتسمين، وتدركين أنك وأنت تكبرين قد كبر بداخلك الانسان، وأنهم وهم يكبرون قد ضعفت بداخلهم وحوشهم.” عادت أدراجها وهي تبتسم.
حين فتح “العم صالح” عينيه لمح مدير دار المسنين وهو يبتسم ويلوح له بيده من نافذة زجاجية، أجال بصره في أركان الغرفة البيضاء، لمح كيس السيروم معلقا عند رأسه والمصل مغروز بيده، أحس بثقل شديد في كل أطرافه بعد مدة دخلت ممرضة شابة رمقته بعطف، طمأنته أنه بخير وهنأته بنجاح العملية ثم غادرت، لمحها وهي تحادث مدير الدار ثم تتابع سيرها ليدخل هو:
_ الحمد لله على سلامتك يا “عمي صالح” هاقد عدت إلينا كما عهدناك، تلك الفتاة دفعت تكاليف العملية، الله جازاك على طيبة قلبك.
_ نظر إليه العجوز مستغربا.
_ مابك “عمي صالح”؟ هل نسيتها؟”حياة عامر” الطبيبة التي فحصتك، جحظت عينا العجوز، اسود ماحوله، ضاقت الغرفة البيضاء، عاد إليه وجه الفتاة الصغيرة وهي تتوسله أمام منزله ألّا يطردها ” أنا أيضا لا أهل لي” ..” لي خلق مايضيع..”، فاضت دموع محرقة ظنها مدير الدار دموع فرح، لكنها كانت دموع وحش طاعن في الضعف.

التعليق من فيس بوك


Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (لم يتم التقييم من قبل ..كن أول من يقيم هذه المقالة)
Loading...


عن الكاتب