واتركوا للناس عذراً

واتركوا للناس عذراً

أحمد الله وأستعين به.
من الجميل أن تنتشر ثقافة العذر والإعتذار، وهي ميزةٌ اتصف بها العقلاء ونصح بها العلماء وتربى عليها الفضلاء وتوارثها الأصلاء.
عاداتنا وتقاليدنا، مناهجنا وتعاليمنا، إعلامنا وأعلامنا، تربيتنا أسرياً ومجتمعياً، نصحوا ووجهوا، تعلموا وعلموا هذه الثقافة، وصاغوا منها حِكماً نسترشد بها وأمثالاً نستشهد ونتغنى بها.
العذر والإعتذار عزٌ واعتزاز، وبدونها ذلٌ وانكسار. ذلك الذل نتيجة غياب تلك الصفة لأن صاحبها ذو رؤيةٍ محدودة وأفكارٍ مغلوطة، فرؤيته لها معيبة ويراها لنفسه مهينة فتكبر عن قولها أو الإتصاف بها فكانت نتيجتها عليه معكوسة حيث أصبحت نظرة الناس إليه باحتقار ولاذ كل من حوله بالفرار وجازاه مجتمعه بالانحسار، حتى أصابه ذلٌ وانكسار.
وسائل التواصل الإجتماعي، أوضحت لنا ثقافة البعض، وأقول البعض لأنه لا يزال في الأمة خير، رأينا شباباً يناقش ويحاور، ينقد وينتقد، يعارض ويجادل، يفرض رأياً ومشورة ولا يقبل الآخر، وعلى هذا يخطئ ثم “يكابر، يعاند، يراوغ، ينسى ويتناسى” العذر والإعتذار، لأنه جهل وتجاهل مكانة هذه الميزة ومكانة من تحلى بها.
وسائل التواصل الإجتماعي، أكدت لنا بأن نشر الأخبار ميسّر، وتنتشر بلا تدقيقٍ وتفكّر، وبشكلٍ متعددٍ متكرر، دون إهتمامٍ برغبة الناس عن الخبر أو صحة ما نُشر أو فسح مجالٍ “للعذر”.
فعندما يردنا عبر الوسائل خبرٌ، صحيحٌ أو مبتكرٌ، عن إنسانٍ لدينا ذو قدْر، وقد أصابه القدَر بخيرٍ أو ضرر، ولم أكن الوحيد المناط بالخبر، وكان علماً قد إنتشر، وحينها لا مجال لنا ” للعذر”.
تحيط بنا الظروف، وننشغل في أمور حياتنا، تعاصرنا الآلام، ونشتكي سوء الأحوال، فنقصّر في واجباتنا تجاه قرابتنا، وجيراننا وأصدقائنا، وجميع علاقاتنا، فنتج عنها قلة الزيارة، والسؤال، والإتصال. تلك هي الأعذار، هي حقيقةٌ ليس لنا فيها إختيار، أوجبت علينا ثقافة الإعتذار، وأوجبت على الغير القبول والصفح باقتدار.
كنا نعتذر عن معرفة الخبر، وأن الأمر لم ينتشر، فكان العذر ميسوراً، والإعتذار مقبولاً، وفي وقتنا الحالي، لا نكاد نعتذر، ولا يُقبل لنا أي عذر، فوسائل التواصل قد أشاعت، والحجة علينا قد أصابت، وإعتذارنا حينها باهت.
فنحن في زمنٍ، أصبح البعض يرسل لك خبر، حديثه وصوره، خيره وضرره، ويعمم لك أخبار غيره، وبرنامج سيْره.
هنا تكمن ثقافة “مجال العذر والإعتذار” فأصبح كل حكيم ينادي فيقول “واتركوا للناس عذراً” وتلك ثقافةٌ نتمناها، بعدما كنا نتولاها. كم كانت جميلة، وأثارها في الناس عجيبة، زادت في محبتهم، وساندت في أواصر علاقتهم، فكانوا يقبلون العذر، ويتقبلون الإعتذار.
نظن خيراً في أن البعض يحب إيراد الخبر، ولم يقصد بذلك ضرر، ولم يعلم بأنه لم يترك للناس مجال العذر، جهلاً منه بلا تجاهل، قاصداً للخير بلا إدراكٍ للنتائج.
ولعلنا بهذا نستدعي تلك الميزة، وننشر تلك الثقافة، نعلم ونتعلم، نربي وننصح، نوجه ونرشد، لجمالها، وفوائدخا، وحسن أثارها، فنجني منها خير ثمارها.

التعليق من فيس بوك


Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم6 نجوم7 نجوم (لم يتم التقييم من قبل ..كن أول من يقيم هذه المقالة)
Loading...


عن الكاتب

زائر

عضويه غير حقيقيه تنسب اليها المحتوى الذى يضيفه الزوار

  • تواصل مع زائر: