مقالاتي

مقالات في شتى المجالات

آراء وخواطر مقالات دينيه

الإسلاموفوبيا وواقعة نيوزيلاندا، هل هناك علاقة؟

أعادت واقعة نيوزيلاندا الجدال العقيم إلى الأذهان ومنها إلى الساحة الإعلامية العربية و الدولية، كما هي العادة دائما كلما وقعت جريمة إرهابية نكراء، حول سلمية الإسلام والتشكيك في دين السلام، مع أن الضحية هذه المرة وقبلها مرات كثيرة هم المسلمون.

نحن لن نسعى هنا في هذا المقال إلى اجترار ولوك ما تداولته الصحف العالمية، بقدر ما سنحاول الدفاع عن بيضة الإسلام والذود عنها، مع علمي التام أني أحقر من هذه المهمة الصعبة بكثير، لكن من باب ما لا يدرك كله يدرك جله أكتب مقالي هذا، تحذوني في ذلك موضوعية أشبه ما تكون بموضوعية المستشرقين الشرفاء الذين منتعهم ضمائرهم النظيفة عن محاولة حجب ضوء الشمس بالمنخل كما يُقال، فالكل تابع الواقعة ورأى البشاعة التي قضى بها مصلو مسجد النور، على يد سفاح أسترالي، أُحجم أن أُلطّخ بياض وطُهر هذه الصفحة بتدوين اسمه عليها، والذي لا أحسبه إلا مريضا نفسيا ومختلا عقليا ومنتكسا فطريا ومتقهقرا وجدانيا.

نعم فكل إرهابي هو كذلك كيفما كانت العقيدة التي يدعيها والديانة التي يزعمها، وإن كان لدى البعض حساسية في إلصاق هذه النعوت بمرتكبي هذه المنكرات، بدعوى أنها دثار يُستعمل لطمر لفظة الإرهاب الأكثر وقعا ونصاعة، فعلاوة على كونهم إرهابيين بالمعنى العاري للكلمة، فهم فوق هذا وذاك مرضى ظاهرو المرض، وإلا سوف لن نجد تفسيرا سليما لهجوم مباغث على أناس عُزّلٍ تماما من النوايا الخبيثة حتى، فضلا عن الأسلحة، يمارسون شعائرهم الدينية في سلم وأمان بين جدران بيت من بيوت الله وبينهم أطفال وشيوخ أبرياء… و الذي أعاد الجدال السالف الذكر إلى الأذهان وأنطق الأفواه مجددا في اعتقادي، هو تصريح السيناتور الأسترالي “فريزر أنينغ”، الذي رمى الكرة في ملعب المسلمين مبرئا الوحش الآدمي ابن بلده من فعله الشنيع ذاك، فنال جزاء فوريا من الفتى المدعو “ويل كونولي” الذي عُرف ب “فتى البيضة” فيما بعد، هذا الأخير الذي نكنّ له الكثير من الاحترام والتقدير خاصة بعد تغريدته المعروفة على التويتر بعد اعتقاله مباشرة:

” أنا فخور بما فعلت لأني اطمأننت على إنسانيتي”

والقصة معروفة. ثم ماذا بعد؟ إما أن نكون كمتابعين للأحداث من أتباع وأمثال السيناتور العنصري من حيث ندري أو لا ندري، أو نكون من المتعاطفين مع “فتى البيضة” لنبرأ إلى الله من هؤلاء ونبرئ ذمة إنسانيتنا من الانتكاس والارتكاس المرادين لها، ولَكَم يؤسفني أن أقول، إننا نقحم أنفسنا عن قصد أو غير قصد في دائرة العنصرية النثنة التي اختارها السيناتور منبرا له، لمّا نروج لتلك الخطابات التحريضية الدنيئة المغرضة من قبيل ” هذا إرهاب مسيحي”، “هذا عداء أبدي”،”لعنة الله على النصارى”…وقس على ذلك من الكلام الذي نطلقه على عواهنه دون تفكير ولا رويّة، لأنها تحرض على الانتقام ، وعلى أعمال إرهابية مماثلة، فنستحيل أبواقا لبروباجندا إعلامية مغياة، نوفر عليها الكثير من الجهد والمال للترويج لدعاياتها التي تتخذ نشر الإسلاموفوبيا من أهدافها السامية، ونسيء إلى ديننا بالمجان،….أو لم يعبر النيوزيلانديون وغيرهم من الأصوات الحرة عبر بقاع العالم عن شجبهم واستنكارهم وأتوا بأكاليل الورود إلى عين المكان ولبسوا السواد وبكوا بحرقة على ضحايانا وعبروا ما استطاعوا على حزنهم العميق إزاء ما وقع؟ بل إنهم كتبوا رسائل إنسانية تكتب بماء العيون على جدران مسجد النور من بينها تلك التي تناقلتها وسائل الإعلام “آسف لأنكم لم تكونوا آمنين هنا، قلوبنا حزينة لخسارتكم”، بل إن رئيسة نيوزيلندا ذهبت أبعد من ذلك ووعدت باتخاذ تدابير لمنع الذخيرة والأسلحة من أن تقع في الأيادي العابثة بأرواح الناس، فلماذا إذا نؤلب على هؤلاء؟

الجواب في منتهى البساطة، لأننا والحالة هذه ضحايا تلك الآلة الإعلامية الخطيرة التي يشهرها متزعمو الإسلاموفوبيا، فتخدعنا كل مرة وتستغفلنا كل مرة، ونصدقها كل مرة لشدة بلاهة منا أو لشدة ذكاء منها، هي نفسها الآلة التي استغفلت العالم وخدعته في مذبحة ليدلو في نهايات القرن التاسع عشر بجبال الروكي بأمريكا، حيث فُحّمَت جثة الكثير من الأطفال والشيب والشباب في خيام شركة روكيفيلر لاستخراج الفحم الحجري، وتناقلت الصحف ما يرضي رب الشركة باعتباره صاحب أسهم في هذه الصحف، وجعلت الجلاد ضحية والضحية جلادا، وهي نفسها التي ضحكت على الدنيا في أحداث 11 سبتمبر بنيويورك، وهو مثال حي لألاعيب البروباجندا، استقيناه من رواية ” أرض السافلين” لأحمد خالد مصطفى، وهي بالمناسبة عمل مضن أقرب إلى بحث معمق عن حقائق يجهلها الناس منها إلى رواية أدبية بحتة، فالحكاية التي آمن بها الناس وصدقوها أن الأمر يتعلق بأحداث إرهابية يقف خلفها إسلاميون انتقاما من دعم أمريكا لإسرائيل، في حين أن القضية صناعة أمريكية محبوكة، فضح أسرارها مجموعة من المؤشرات نذكر منها: – الطريقة الانسيابية التي انهدم بها البرجان بدون توقف أو تقطيع، التي لا يمكن أن تحدث في أي حال من الأحوال بسبب ارتطام طائرة بهما، والتي يعلم كل ذي عقل سليم أنها لا تحدث إلا باستعمال متفجرات إزالة المباني. – بقايا المبنى بعد الانهيار لا توجد فيها أي قطعة أثاث واحدة باقية، كل ما كان موجودا تحول إلى رماد، أي طائرة هذه التي ستصطدم ببرج فتحوله إلى رماد؟ – أكذوبة كون وقود الطائرتين الحامي الذي تسرب وتشعب مع أعمدة المبنيين هو المسؤول عن ذلك الانهيار الانسيابي، وهذا هراء فزيائي، فالفولاذ ينصهر عند 2800 فهرنهايت، ووقود الطائرات لا يزيد عن 1800 فهرنهايت في أشد حالات سخونته…آلخ. ما هذا إلا مثال حي على مناورات الماكنة الإعلامية التي لا ينبغي أبدا أن ننساق وراء أراجيفها وأكاذيبها اللامتناهية التي تخدم أجندات معينة، باعتماد التكرار والاجترار، بحيث إن قراءتنا للكذبة من عدة مصادر في نفس الوقت وبشكل مكثف يجعلنا نصدق الكذبة في النهاية، فليت شعري تسلط هذه الماكنة الضوء على مذابح تحدث كل يوم تصعد فيها آلاف أرواح المسلمين البريئة إلى بارئها، وتنقلها بصورة فيها الكثير من الاهتمام الذي من شأنه أن يعرف بالواقعة أكثر ويستجلب تعاطف الناس أكثر، لو كان ذلك حاصلا لتراجعت الإسلاموفوبيا بنسبة كبيرة ولأقبل الناس على دين السلام هذا، وهذا ما لا يرضونه أبدا، لأنه يتعارض واستراتيجياتهم التي تحاول ما أمكن أن تجعل من المسلمين جميعا هم المعتدون وهم الإرهابيون، وللأسف نجحت في ذلك إلى حد كبير.

والحق أن عدد المسلمين في العالم حسب مركز بيو للدراسات، مليار و 800 مليون مسلم ومسلمة، ما يعادل %24 من سكان العالم، لو كانت %5 فقط منهم متطرفون وإرهابيون لاستحالت الدنيا جحيما لا يطاق، ولما عاش على وجه البسيطة أحد في أمن وأمان، وما يثبته الواقع اليوم مخالف تماما، فالسلام هو المسيطر الآن والحرب متقهقرة وحيثما ما كانت فضحاياها “مسلمون” أكثر من غيرهم…

في النهاية وبناء على ما سبق ينبغي أن يحذر أبناء الإسلام قبل غيرهم من أن يقعوا ضحية ألاعيب إعلام الإسلاموفوبيا ويتمسكوا بدينهم الحق وتعاليمه، وأن يلجموا انفعالات الوجدان بأحكام العقل والمنطق، وأن يحتاطوا أن يستحيلوا أبواقا تخدم بروتوكولات محاربة للإسلام من حيث لا يدرون، وتقتادهم شياطين الإعلام إلى أقاويل باطلة لا تمت إلى الحق بصلة. فلنقل إذن بفمنا المليان وسننا القاطعة، إن الإسلام دين حق و سلم وسماحة وعفو وسلام، وما جاءنا من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنيعه مع أهل الكتاب وغيرهم من المخالفين لدليل قاطع على ذلك، وإنه ليثلج صدورنا ما نراه اليوم من زيارات البابا الفاتيكان لبعض الدول الإسلامية بدعوة منها، لإيفاد شعوب العالم أننا أهل التسامح والتعايش، وإن ذلك من شأنه أن يكون ضربة موجعة تهدم ركنا من أركان قلاع الإسلاموفوبيا الملعونة، والله المستعان…

الكاتب : Karim Oudad

عضويه غير حقيقيه تنسب اليها المحتوى الذى يضيفه الزوار