في رثاء الحضارة


منذ خطوات البشرية الاولى تربص بها الموت كعدوّ لا مفرّ منه. وعلى مدى التاريخ اجتهد عقل الانسان لايجاد مضادات وعقافير تبعد شبح الموت أو تجعله يتريث قليلا. وبينما كان الحكماء يستحضرون أكاسير الخلود والصحة، كان على الجانب الآخر الاغبياء يجتهدون في اختراع أسباب جديدة وتقنيات وظروف تسرع خطى البشر إلى الموت. وفي مقابل جملة الالام التي تعيشها خليقة طفل واحد، كانت الحروب والمجازر وحفلات الصيد والتسلية تحصد المئات والألوف والملايين بدم بارد –كمال يقال-. هذه باختصار هي المهزلة البشرية. مهزلة البشرية التي لا تعرف من أين أتت، ولا إلى أين تمضي. لماذا هي هنا، ما معنى الوجود ومعنى الفناء ومن وراءها. إذا كان ثمة ما وراء فلماذا لا يجيب على الأسئلة. وإن لم يكن ثمة ما وراء فمن أين ولدت الطبيعة والمخلوقات والبشر ولماذا.
بين ماذا ولماذا وكيف قام الذهن البشري بانتاج الفكر والفلسفة والفنون والاداب، مجرد مسكنات ومسوغات وتحديات.
لا ينكر ان عقل الانسان.. ذلك الطفل الذي نما وتطور عبر ملايين السنين حتى يبلغ ما بلغ.. كان شيئا هائلا. ولكن العقل الجمعي بقي غبيا وقاصرا عن صيانة الحياة. قاصرا عن حلّ مشكلة المثنوية والتضادّ الكامنة في أصل الوجود.
ففي الخلية الحية قدرة ذاتية على الصيرورة والديمومة وتعويض الأضرار. والتي وصفتها الفلسفة بفكرة الموت والميلاد. ولكن الكائن الحيّ يتضمن في ذاته آليات دماره الذاتي. عندما كنت صغيرا فكرت لماذا لم تكن للانسان بلاستيدات خضراء تتغذى من ضوء الشمس كالنباتات. الانسان يتعرق في الشمس ويشعر بالعطش ويشعر بالنحول ويحتاج للطعام. وليم بليك طرح تساءل لماذا تعتاش الحيوانات على بعضها. ولما ينبغي للانسان ان يعتاش على النباتات والحيوانات التي هي كائنات جميلة وأليفة ووديعة. لماذا لا تعيش الطبيعة وكائناتها في هارموني وسلام مثل الأوركسترا في الموسيقى.
لماذا الدم.. لماذا الأذى.. لماذا العنف..
لكن العنف في أصل الكائن الحيّ.. العنف في أصل الحياة. الولادة تتحقق بالألم والنزف والمعاناة والصبر. مراحل نمو الطفل وتعلمه وبلوغه الام ومكابدات وطموح واحباطات ومواضع سخرية وحسد ونكد..
هل الانسان مجرد قيمة استعمالية تنتهي صلاحيتها بانتهاء قدرتها على الانتاج والانتاجية..
الانسان -تحديدا- لا يستطيع ولا يستسيغ ان يكون لوحده – ليس مستحسنا أن يبقى آدم لوحده، سأجعل له نظيرا ومعينا يكون معه-. لكن الانسان.. رغم ملايين السنين ما زال لا يحتمل أخاه الانسان، بينهما شريط طويل من مشاعر الحب والحاجة والطمع والغيرة والخوف والجشع والكراهية والعناد والمنافسة والتحدي والندّية والالغاء والتهميش حتى القتل والندم والنواح والبكاء ودوامة الشوق والخوف. لماذا لا يكون جلجامش هو قاتل انكيدو -نظيره- الذي بقي يبكيه ندما على فقدانه. اليس هذا هو الانسان. هذه هي قصة التنافس بين الاخوة.. قابيل وهابيل.. صراع المرأة والرجل.. كل منهما يريد أن يسود الآخر.. لماذا لا يختزل الاثنان (أنا-هما) من أجل قيمة الحياة والانسجام والجمال. القوي يبتلع الضعيف، والأخ الكبير يبتلع ويسود اخوته الأصغر منه. ان لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب. العملة الرديئة تغلب العملة الجيدة. –ما زلت في نفس الموضوع- المقارنة واحدة.. فالشرّ يغلب الخير.. الوحشي يسود الطيب والمتضع. يسوع الناصري تعرض للصلب لأنه كان متواضعا ويدعو للمحبة والسلام.. لو كان له جيش وأسلحة لخضعت له الناس كالقياصرة وقادة الجيوش.
العقل البشري الهائل لم ينجح في انتاج نظام اجتماعي، إداري، سياسي يجمع بين العدل والحق والخير والسلام والاخوة. مقارنة قوانين حمورابي بالقوانين السومرية يؤكد تنامي نسبة العنف والقتل – عكس التطور-. والعنف اليوم أضعاف العنف الذي كان في القرن الماضي. هذه هي الخلاصة العامة بغض النظر عن التفاصسل. وبغض النظر عن أدعياء المظلومية والملائكة الذين هم ذئاب في جلود حملان. كل من يحلم أو يفكر أو يتصرف بأنه أفضل من سواه وله حق السيادة عليه هو قاتل ومجرم، حتى لو كان رئيس دولة قانون، ومتحدث باسم الوحي السماوي.
قبل نشأة القبيلة والدولة والدين كان المرء يخاف من الطبيعة ولكنه تعلم كيف ينسجم معها..
عندما ظهرت القبيلة والدين والدولة قامت باستعباد الانسان وتخييره بين الولاء والعبودية أو الموت جوعا أو قتلا بتهمة الخيانة والزندقة ومعاداة البشرية.
الاغتراب اكبر أزمة يعانيها الفرد دون أن يجري التفكير في اصلاح البنى التحتية للمجتمع والدين والدولة لما يخدم الحياة والأمن والسلام.
النظام الاجتماعي، الديني، السياسي، الاقتصادي بكل مؤسساته ومنظماته وأدواته تحول إلى أجهزة بيرقراطية وطبقات طفيلية مستبدة لها أجندة خاصة لا تستقيم إلا باستغلال الناس واستمرار خضوعهم لها. المجتمع البشري تحول من القنانة الزراعية والعبودية التي تحدث عنها هيجل وماركس إلى قنانة دينية وحزبية وعبودية رأسمالية اقتصادية.
المال اليوم هو الأله المعبود في الاقتصاد والدولة والدين. في السوق يجب أن تشتري وتدفع لتكون مواطنا نافعا. يجب أن تستهلك لتخدم الماكنة الرأسمالية. في الدولة عليك أن تدفع سلسلة طويلة من الضرائب والرسوم والتعرفات.. الشيء الوحيد الذي لم تشمله التعرفة والضريبة هو الهواء –رغم انه هواء ملوث وسام-. في الدين عليك ان تدفع الخمس والعشر والصدقة والزكاة وووو
ان لم يكن معك مال فلا قيمة لك ولا حاجة لأحد بك، ولا تجد ماوى أو عونا..
..
الانسان اخترع المال وصار عبدا له..
الانسان اخترع الأنظمة والعادات وصار عبدا لها..
اخترع الدولة والقانون وصار عبدا لها..
بدل ان تعمل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لخدمة المجتمع تحولت إلى طاغوت يعتاش على دم المجتمع ويمعن في اذلاله حفاظا على السلطة والحكم..
الاحزاب السياسية والدينية مافيات تخدع الجماهير لكي تصعد على اكتاف الناس وجثثهم وتدوسهم من اجل السلطة..
ما الذي تغير وتطور على مدى التاريخ غير اوهام الانسان واحلامه الطوباوية ونواياه الطيبة مقابل نوايا الشياطين والأبالسة..
العائلة والمحلة والوطنية والقومية تتبخر بفعل ثقب الاوزون والفك الأمريكي ووطاويطه الذين يزدادون شراسة..
الانترنت الذي لا يعرف الناس شروره.. زاد من عزلة الناس وخلافاتهم وفرق بين الأخ وأخيه.. والكلّ ترقص على تغريدات السي اي اي..
في القرن الماضي.. عندما كانت السياسة محدودة والاحزاب معدودة والاعلام باللون الأصفر كان المخدوعين جماعات قليلة..
اليوم العالم تغطيه السياسة والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني والدمقراطية وشبكة النت والاعلام الالكتروني.. وطوبى لغير المخدوعين..
الانسان الذي اخترع الحضارة والمدنية وسلطاتها يحتاج أن يتحرر منها لكي يعود سيد نفسه وحياته!
التعليق من فيس بوك

Please complete the required fields.
اختر سبب التبليغ واكتب تفاصيلة .. ويمكنك ايضا التبليغ بشكل اسرع عن طريق صفحتنا فى فيس بوك



Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم (لم يتم التقييم من قبل ..كن أول من يقيم هذه المقالة)
Loading...

عن الكاتب