تتبدل الأحلام


تتبدل الأحلام

تتبدل الأحلام

ـ الصغار يكبرون، هاهم يعبرون إلى المستقبل بخطواتهم المدرسية، كانت بسمتها الدامعة ترطب خدها وترافقهم بدعواتها.شعرت بشيء من القشعريرة تسري في أوصالها، إنها سِن الكهولة تجاوزت الخمسين من عمرها لتستيقظ على وقع أنفاسها الوحيدة، كيف لعقود خمسة تمر وهي مازالت هناك بين الأكواخ العتيقة، تسترق السمع لحفيف النخل في الأزقة المتعرجة، وتلتحف سماءً صافية الزرقة.عند خاصرة شواطئ، تنتهي عند وادي الفراشات الجميل الذي تزوره يومياً تودعه تنهيداتها، لتعود بثوبها المُزهر بألوان الربيع الارجوانية والوردية والبيضاء والنرجسية، غابات آمالٍ خطواتها، وباقات مروجٍ آمالها! التحفت شالها واتكأت على وسادتها الناعمة التي حرصت على اختيار ملمسها بما يليق ببشرتها التي لم تبالغ بعنايتها لكنها تجدها أفضل من نوعية مثيلاتها من السيدات اللواتي تخطين الخمسين!

ـ اِنتصف النهار ومازال في جعبته الكثير من الأعمال التي عليها إنجازها، ستائر المنزل تحتاج لتنظيف كما أرضياته التي غطاها الغبار المنبعث من النافذة، هي فوضوية الربيع، والطعام لن  يجهز قبل الخامسة وموعد طبيب الأسنان، ثم القيام بجولة في أسواق المدينة التي أبعدتها عنها برودة الشتاء، وثلجه القاسي!

ـ ما إن بدأت بأولى المهام حتى شعرت بوخزٍ بين أناملها رمت بالغسيل في الغسالة ثم ادراتها، وتوجهت إلى شرفة غرفتها تتفقد الوخز الدامي الذي أحدثه دبوس علقته على إحدى الستائر ونسيت أن تعيده إلى علبة الخياطة، جلست والغضب تتصاعد وتيرته من عينيها.يالها من قساوة عندما تتغلب الأشياء الخرساء على الإنسانية.غسلت يدها من نقاط الدم التي خلفها وخز الدبوس، واستهلت نشاطها الروتيني في تنظيف المنزل، كانت سيارات البلدية تجوي شوارع المدينة، والأغاني الحماسية ترسل في النفس شيئاً طالما شجعها على الحلم بأن تشغل اهتمام الناس، من خلال ترشيحها لمجلس بلدي أو إداري أو شعبي.بقيت أحلامها حبيسة رأسها الصغير الذي لم ينشغل بباقة زهرٍ، بلون مباهج الربيع، أو بلون أمنيات ترسو بين ضفاف الضلوع، تاركةً اِبتسامة عذبة بلون الصفاء الذي يسكن قلبها.

ـ اِعتادت العمل المنزلي وهي شاردة البال، لا تدري كيف الوقت يمضي، لكنها بدأ تشعر بملل تكرار حلمها، وإعادة مفردات التمني ذاتها في كل يوم، هاهي الأيام تمضي، أي المجالس سوف تشغل، وأي الأحلام سوف تثابر على تحقيقها؟

ـ فتحت باب خزانة الملابس، حتى ملابسها صار لِزاماً عليها تغيير نوعيتها وتصاميمها لتتماشى وألوان الحياة التي تشعربها وهي في هذه السن!السن مسألة لا تتوقف عنِدها، كيف داهمتها هذه الأفكار، ولِم تسمح لها بأن تعشعش فوق صدرها المُثقل أمنيات لم تتحقق؟

ـ تناولت بنطالاً أسود، وجاكيت بلون أبيض، زينت ياقته بدبوس مُذهب استدارت تتفقد هيئتها، لم تتغير كثيراً عن الأمس رغم مرور السنوات. غادرت منزلها بتأن، متوجهة إلى طبيب الأسنان، وهي تعلل نفسها بكي الغسيل بعد عودتها من عيادته!

بقلمي: عروبة

التعليق من فيس بوك

Please complete the required fields.
اختر سبب التبليغ واكتب تفاصيلة .. ويمكنك ايضا التبليغ بشكل اسرع عن طريق صفحتنا فى فيس بوك



Like
Like Love Haha Wow Sad Angry
1

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم (لم يتم التقييم من قبل ..كن أول من يقيم هذه المقالة)
Loading...

عن الكاتب