اتحرمت من الأوكسيجين


اتحرمت من الأوكسيجين
مقاله على موقع مقالاتى

كانت اقداري خلال لحظات حياتي الأولى أن اتحرمت من إكسير الحياة الذي ينعش الرئتين ويغذي خلايا المخ..
وبناءاً عليه ارتسمت أقدار حياتي بمعاناة الحرمان من الأوكسيجين، والكفاح المستميت من أجل نيل أبسط الأشياء والحد المعقول من متع الدنيا..
لا يعنيني من (أو) ما السبب في حرماني من الأوكسيجين، سواء تمثل هذا في إهمال طبي وعدم خبرة أو أسباب أخرى.. ما يعنيني هو أن هناك خطأ ما حدث تسبب في حرماني من الأوكسيجين، مما أدى إلى إصابتي بمشاكل صحية تعتبر معقدة، إلى حد ما، أثرت بالطبع على تشكيل مجريات حياتي..
حياتي التي لا يمكن أن يطلق عليها حياة سهلة سلسة مرنة، والقيام بشئون الحياة اليومية بشعور طبيعي مريح، حتى ولو مؤقت..
بسبب حرماني من الأوكسيجين، اتحرمت من الشعور بمرونة الحركة الطبيعية لأعضائي، اتحرمت من لبس الفستان الأبيض والتمتع بنعمة طفل ينمو داخل إحشائي.. اتحرمت من مرح الأصدقاء وصحبة الرفقاء خلال عشائي.. اتحرمت من أن أجد علاج شافي لدائي.. اتحرمت من التمتع بحياتي وفعل أشياء جنونية، كالمشي لرؤية منظر الغروب أو الجري في الحدائق لشم رائحة الزهور، أو الذهاب شرقاً أو غرباً، أو التنقل صعوداً وهبوطاً، فكلها تعتبر أفعال عادية ولا تدخل في ضروب الجنونية.. ولكن بسبب حرماني من الأوكسيجين أصبحت هذه الأفعال تدخل في نطاق الجنونية، نظراً لصعوبة فعلها، وإن
حدثت مرة فلا تتكرر أخرى..
وهكذا ارتسمت اقداري، وعشت معاناة سؤال الأطباء عن علاج لدائي، وتلقينا وجع الصدمة المرة تلو الأخرى، رأي يقول توقعوا الموت المنتظر، وآخر يقول مطلوب عمليات جراحية لعلاج بعض عيوب الجهاز الحركي ولكن بحذر، وآخر يقول هناك أمل في تحسن الحالة ولكن تحتاج لإجراءات علاجية مطولة وكله في يد القدر، ولا تتعلقوا بكثير من الأمل..
وبمرور الوقت تعلمت أنه يجب أن اتحلى بكثير من الصبر والمثابرة العنيدة لأواجه اقداري مهما كانت آراء بعض البشر.. تعلمت أن أكون طبيب ذاتي وأن جسم الإنسان خلق للحركة والعمل، وأنه لا بد أن اجاهد كسلي واستمر في فعل بعض التمارين الحركية المطلوبة بشكل يومي، وابذل مجهوداً في التدريب حتى اكتسب درجة معينة من المرونة الحركية واللياقة البدنية كما لو كأنني بطل.. ورغم التعب أحاول الحفاظ على صبري وحماسي ولكن أحياناً يطفأه كلام السلبي صادر من أفواه بعض البشر، يقولون لا تعتبي نفسك بفعل أي شيء.. لا المشي ولا الحركة، ولا الذهاب والإياب، ولا القيام من السرير.. هم يبتغون لي الراحة، ولكني آراهم يدفعونني للموت لا للحياة.. هم بذلك لا يدركون أنهم يحرمونني من الحياة وأنا حيه، أعيش وأكبر، وبفعلهم هذا يزيدون من قسوة الحياة قسوة، وكل هذا بسبب أنني حرمت من الأوكسيجين، ولا ذنب لي ولا حيلة.

قد يعجبك أيضا ..  الرحلة المشوقة ....الجزء الأول

وكما واجهت، بعون الله عز وجل، اقداري في محاولة التكيف مع مشاكلي الصحية ومحاولة تقبلها بالرغم من الصعوبات التي يصنعها الآخرين ويضعها في طريقي دون مراعاة لمشاعري وأحساسي.. واجهت أيضاً اقداري في رحلتي التعليمية.. وواجهت كثير من الشخصيات السلبية التي لم تقدم لي أي مساعدة أو تشجيع لتعليمي.. كل ما كانت تقدمه هو مزيد من الإحباط والكلمات الموجعة التي تزيد من الإعاقة إعاقة،  وتساعد على تفاقم نسبة الجهل والفشل المجتمعي، ولا تقدم أي نوع من الحلول.. لقد قابلت فعلاً هذه النوعية من الأشخاص وكان هذا من اتعس اقداري.. ولكني، بحمد الله، قابلت نوعية أخرى أكثر إيجابية وتمتع بالحضارية الفكرية المتفتحة، وكان ذلك من أروع اقداري، حيث ساعدتني على بث الثقة في نفسي بأنني قادرة على إجتياز الاختبارات والحصول على الدرجات العلمية حتى ولو من خلال الاستذكار بالمنزل، ومنحتني الكثير من التشجيع على المشاركة في مشاكل المجتمع والبحث العلمي، منحتني الحق في أن أكون شخصية متعلمة ومثقفة بدرجة ما، منحتني حقي في أن أكون رأي فكري تحليلي في بعض القضايا والأمور. حتى ولو كرة البعض ذلك أو استهان به البعض.

نعم، لقد اتحرمت من الأوكسيجين وكان ذلك سبباً أساسياً في حرماني من أكون حرة لأفعل ما أريد، أو أذهب حيثما أشاء.. حيث كان علي أن اراعي حسابات كثيرة وأعمل على فك عقد عديدة عند التفكير في فعل الأشياء.. حرماني من الأوكسيجين كان سبباً رئيسياً أيضاً في أن يفرض علي الوصاية، بدرجات مختلفة، أن اعامل معاملة شخص مريض مسلوب الإرادة، لا يتمتع بالكثير من رفاهية الاختيار لبعض القرارات المصيرية والاستفادة ببعض الفرص.. ففي كثيراً من الأحيان يتم فرض الوصاية بدعوى أن صاحب الاعتلالات الصحية المستديمة فاقد الأهلية لتحمل أي نوع من المسئولية كالشخص العادي.


ولهذا السبب انقضت حياتي في محاولات مستميتة ومستمرة لإثبات أنني قادرة على الفهم والمشاركة بإيجابية في المجتمع، قادرة على الدراسة والتعلم بل والتعامل مع التقنيات التكنولوجية الحديثة، قادرة على العمل وتحمل مسئولية إنجاز المهام.. قادرة على إثبات أن هناك نماذج من أصحاب الاعتلالات الصحية المستديمة باستطاعتهم تقديم شيء والمساهمة في خدمة المجتمع بشكل فعلي وحقيقي.. لا يعتبرون مشاكهم الصحية عذراًً للتخاذل والكسل ليصبحوا عبئاً ثقيلاً على من حولهم.. والغريب أن المحيطين بهم هم السبب في جعلهم عبئاً ثقيلاً، وهم لا يدركون أنهم بذلكيساهمون بنشر مزيد من المرض والكسل والجهل..

وهنا يثار تسائل هام.. إلى متى تظل الدولة لا تلقى اهتماماً ولا تشغل بالاً بأصحاب الحالات من ذوي الاعتلالات الصحية المعقدة والمستديمة، كحالات الشلل الدماغي بصفة خاصة، وغيرها من الحالات التي تعاني من مشاكل وإعاقات بصفة عامة.. ولكن حالات الشلل الدماغي تحتاج بشدة إلى من يلقي الضوء على معاناتهم ومعاناة أسرهم، يحتاجون إلى اهتمام الدولة بتشريع بعض القوانين التي تمنحهم حقهم في التعليم والرعاية والعلاج.. وفي الحياة بصفة عامة.. أطالب بسن قوانين خاصة بهم لاعتبارهم حالات متعددة المشاكل الصحية، وبعضهم أصحاب إعاقات معقدة، تختلف عن الصم والبكم والمكفوفين والمصابين بالشلل أيً كان درجته..
د. نهلة أحمد درويش
دكتوراة في الآداب – علم الاجتماع
12/10/2015

التعليق من فيس بوك

Please complete the required fields.
اختر سبب التبليغ واكتب تفاصيلة .. ويمكنك ايضا التبليغ بشكل اسرع عن طريق صفحتنا فى فيس بوك



Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم (2 صوت, بتقييم: 6.00 من 5)
Loading...


عن الكاتب

حاصلة على درجة الدكتوراة في علم الاجتماع، موضوع الرسالة عن العولمة وتغير أنساق القيم.. من جامعة القاهرة 2009