طرت.. وطفت.. وشفت..


طرت.. وطفت.. وشفت..
tumblr_mx30er7nLj1r5rb3io1_500

طرت.. وطفت.. وشفت..

 
توقف نبضي وفارقت قلبي الحياة.. عيناي لم تعد ترى شيئاً.. دخلت في مساحة كاحلة السواد.. وبعدها دخلت في فساحات شديدة البياض والنور.. نعم لقد طرت.. أخيراً هاجرت إلى عالم آخر.. عالم من نور.. شفع لي عملي واجتهادي في دار الحيوان.. لقد فزت بنيل الشهادة وأجرها العظيم.. الحمد لله رب العالمين.. مكسب وفوزاً لم أكن ارتقبه.. لم أكن وحدي هناك.. بل كان معي ألوفً عديدة من الشهداء.. منهم من قدم حياته دفاعاً عن أرضه ووطنه تأديةً لواجبه .. ومنهم من قدمها في سبيل مناصرة قضية ما.. ومنهم من لم يقدمها في سبيل الواجب أو دفاعاً عن قضية ما، بل نفذ فيه قضاء الله وقدره بانفجار قنبلة بمكان ما أودت بحياته، أو بمروره في أحد الأماكن التي وقع فيها اشتباكات عنف.. وعلى كل الأحوال فقد كان شخص برئ مسالم، لم يكن يشغل نفسة بالحوارات الشعبية أو المشاحنات الأهلية أو المنازعات الحزبية أو الإنحياز لفريق دون آخر.
طرت في الفضاء الواسع.. وشفت أمي وهي تعتصر ألماً على فراقي، تبكي وجعاً عندما تتذكر ابتسامتي، يرن في أذنيها نبرات صوتي عندما كنت ألقي عليها تحية الصباح والمساء، عندما كنت آلاطفها ببعض الكلمات الحانية الطيبة لأخفف عنها وطأة الحياة وصعوبة مشاكلها.. فلقد عانت أمي الكثير من أجل رعايتي أنا وأخوتي..
يوجعني حزن أمي وألم لوعتها على فراقي.. ولكن؛ آة لو تعلم أمي ما أعيش فيه من نعيم وراحة وسلام، لقرت عينيها هي وأبي ذو القلب الطيب الذي شملني بالرعاية والحماية طوال حياتي، حياتي التي انتهت وأنا أحاول  حماية وطني.. أبي وأنا كان كلً منا يقوم بدوره في تقديم الحماية، أبي كان يقدمها لأسرته، وأنا كنت أقدمها لأسرتي الأكبر.. وطني..
لست وحدك يا أمي من يتعذب ويتعصر ألماً وحزناً على فراق فلذة كبدها.. فلقد طفت وشفت أن هناك المئات والمئات من الأمهات في العراق، وفي فلسطين، وفي سوريا، وفي ليبيا، وفي لبنان، وفي اليمن، وفي بقاع أخرى من الوطن العربي…. آة وآة يا وطني العربي.. ما آلت إليه لم يخطر على بال أحد يوماً.. كنا زعماء العالم في بعض الأفاق والمجالات.. ولكن الآن أصبحنا نفتقد الزعامة في كل أفق ومجال.. في التفوق التجاري، في التميز الصناعي، في التوحد السياسي والتعاون الإقليمي..
وللأسف تركز تفوقنا فقط في التفكك والتجزؤ وتعميق الانقسامات، وتزايد الصراع وأعمال العنف والحرب، وسفك الدم على مساحات وبقاع كثيرة من الأرض.. والدم ينادى الدم بتكثيف مشاعر الضغينة والبغضاء والرغبة في الانتقام.. والثمن المقدم هو عدد لا يستهان به من الضحايا والشهداء.. ويستمر مسلسل تساقط الشهداء والضحايا، وخاصة بعد ما أصاب الوطن العربي بعدوى ما يسمى “الربيع العربي”، ذلك الربيع الذي لم يسمح لزهور كثيرة من القلوب الشابة للتمتع بخضار شبابها وازدهار مستقبلها.. كل ما أسهم الربيع العربي في إنماءه هو تزايد أعداد الضحايا والشهداء، ونشر مزيد من الرماد والسواد.. اصتبغ فكر معظم العامة بالعنفوانية والضبابية.. وأصبحت معظم المناسبات التي نعيشها يختلط فيها اللون الأحمر باللون الرمادي.. الدم وطلقات البارود أصبحا هما سيد الموقف في بعض مباريات الكرة، أو بعض المناسبات الاحتفالية، أو بعض التجمعات التي تتشكل لأغراض وأهداف مختلفة.
يقال أن الوطن العربي قد وقع فريسة لمخططات واردة من الخارج.. انتشرت هذه المقولة منذ فترة لا بأس بها من الزمن.. وهو الأمر الذي يثير العجب.. فلماذا لم نكتشف هذه المخططات ونضع بعض السياسات المناسبة لمواجهتها.. أو حتى نعمل على تضافر جهودنا لنخلص الوطن العربي من هذا الدمار والإنحصار، لندخله في عالم التقدم والإزدهار.. أم أن الوطن العربي مكبل ببعض القيود شديدة الإحكام، متفوقة في عقلانيتها ورأسماليتها التي يتم رسمها من خلال القوى الكبرى المسيطرة على العالم واقتصاديات المستقبل.. وربما تكون هذه هي تلك المخططات التي يحكى عنها.. سياسات عالمية وأنظمة معقدة في قواعدها ومطالبها.. قوى تهدف السيطرة الاقتصادية على العالم أجمع.. وشعوب العالم المتأخرة في اقتصادياتها هي من يدفع الثمن.. مزيد ومزيد من الضحايا والشهداء..
وما المشكلة؟.. فنحن كثير، فالزيادة السكانية فاقت احتياجاتنا ومواردنا الطبيعية.. ما المشكلة في أن نفقد اليوم 20 فرداً، واليوم الذي يليه 50 فرداً، والذي يليه 70 فرداً.. ما المشكلة فنحن كثير.. هذه المقولة تثير غضبي وتزيدني أمتعاضاً.. نعم من واجب المرء أن يضحي من أجل واجبه الوطني.. ولكن لا يصح الاستهانة بقيمة المرء الإنسانية مهما كان وضعه الاجتماعي ومستواه المادي.. فلقد كرم الله عز وجل الإنسان في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وتفرده بمهمة تعمير الكون.. تلك المهمة البالغة في صعوبتها مع استمرار تصارع القوى التي تنشر السلام مع القوى الداعية للحرب والإرهاب تحقيقاً لأهداف أجندتها الخاصة..
منذ أيام قليلة طفت وشفت الناس يتبادلون التهاني بعيد الحب.. أين هذا الحب الذي نعيشه وسط أجواء من التباعد والتجزؤ، أجواء من الحرب والإرهاب والعواصف الرمادية التي يكثر فيها المعارك وتساقط مزيد من الشهداء والضحايا.. نعم لقد طفت وشفت وأخيراً قٌرت عيني بالاستقرار في دار يسوده السكينة والسلام.. دار ينتشر بين أركانه معنى أخر للحب، مفهوم آخر للحب والسلام معمول به في التعامل بين البشر الصالحين.. أنه حقاً دار السلام.. دار الشهداء..   
د. نهلة أحمد درويش      
دكتوراة في الآداب – علم الاجتماع 
16/2/2015tumblr_mx30er7nLj1r5rb3io1_500
التعليق من فيس بوك

Please complete the required fields.
اختر سبب التبليغ واكتب تفاصيلة .. ويمكنك ايضا التبليغ بشكل اسرع عن طريق صفحتنا فى فيس بوك



Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم (1 صوت, بتقييم: 7.00 من 5)
Loading...


عن الكاتب

حاصلة على درجة الدكتوراة في علم الاجتماع، موضوع الرسالة عن العولمة وتغير أنساق القيم.. من جامعة القاهرة 2009