تصور الشيطان في الموروث العربي الإسلامي


في تأملنا لتاريخ الوجود الإنساني، لا يمكن أن نمر دون ملامسة مفاهيم “الخير و الشر والفضيلة والرذيلة”.

إن مصطلح “الشر” بما يقيسه من معنى يلقي بنا في إشارة بديهية أمام تمثل إسم علم الشيطان، هذا الأخير الذي شكل على مر التاريخ  نقطة جدل ومرتعا للسؤال عن ماهيته ودوره وموقفه ووظيفته وكذا أثره بالنسبة لحياة الإنسان. فالسمة التعقيدية للوجود الشيطاني جعلت العقل والوجدان البشري على مر الأزمنة، ينجب أساطير وأفكار تنوعت بين الأدب والفن وقصص الأطفال وأحاديث الجدة وحكايات الشعوب وأعمال الفلاسفة وأقوال الحكماء للإستكانة إلى فهم مصاف البداية الأزلية لثنائية الخير “الإله” والشر “الشيطان “.


إن الحديث الشائك عن الوجود الذاتي للشيطان وإرتباطه بالثقافة العربية سيعرج بنا إلى إمتدادات شاسعة ستسهب بنا في البداية نحو التسلسل الميثولوجي للأسطورة الشيطانية من مهد الحضارات القديمة إلى فكرة تطورها في الديانات التوحيدية ” اليهودية، المسيحية، الإسلام”، والتي سنعمل من خلالها على جس نبض تمثل الشيطان في الواجهة الإسلامية على وجه التخصيص، حرصا منا على النقل المحايد لأوجه  الميثولولوجيا الدينية في الموضوع المعنون أعلاه.


وسنطرح بعدها الدراما المعنوية لفكرة الشيطان في تصور الإنسان العربي  المسلم كأساس لتبيان خريطة جيناته الوجودية، وسيحتدم بنا الطريق ختاما إلى معاينة العلاقة القائمة بين الوجود الإنسي العربي المسلم وبين الموجود الشيطاني في إطار تقييم تفعلاته وإنفعلاته في قالب إستنتاجي مرن يوضح أوجه هذه العلاقة.

إن عرض هذه الخطوط العريضة السابقة أعلاه لما ستتظمنه أسطر هذا المقال، ستضعنا أمام ملعب السؤال الحي لنعتصر منه وبه أوجه وأفق جديدة لرؤية تفوق السائد المجتمعي، وأول هذه الأسئلة التي يعانيها جدل التفكير:

كيف ظهرت فكرة الشيطان؟

وماهى رؤية المعتقدات والأديان له؟

وكيف تطورت فكرته وتولادت عبر أزمنة العصور إلى وقتنا الراهني؟

لماذا هذا الهوس بالشيطان في التراث الإسلامي ؟

إن تغول الكينونة الشيطانية وتطورها على إمتداد الأزمنة العابرة ، جعلنا نتساءل عن ماهية فكرة الشيطان  من موطن ولادتها الحية، ويجرنا ذلك للعودة إلى إستسقاء معاني بروز إسم “إبليس” الذي يعود أصله إلى  الفكر اليوناني حيث  إشتق من كلمة “diaboloso” التي تعني في اللغة الإنجليزية”the devil” ومعناها الإعتراض والممانعة. أما كلمة الشيطان فقد وردت أول مرة كإسم علم في الثوراة في سفر الأيام الأول الإصحاح 21″ وتمرد الشيطان ضد إسرائيل”.

وقد بدأت صيرورة إحياء فكرة الشيطان في السائد العقائدي على مر العصور منذ إدراك الإنسان بقدرته أن هناك قوة غير مرئية تقوضه وتجلب له الخير والشر.

حيث بدأ إنبجاس هذا الإدراك منذ أيام السومريين والكلدانين وإبان ملحمة ” إنيوما إليش” ثم ملحمة “قلقامش”، التي مجدو بها إنتصار وقوة قوى الخير على الشر.

ولا حصر بأن الديانات والعقائد السالفة على إختلافها وتنوعها” الديانة المصرية القديمة، الحضارة الهندية، الديانة الزرادشتية،  الديانة المندائية، البابلية…”، توحدت في رؤية الشيطان كقوة غير محسوسة لكنها قادرة على إلحاق الأذى وأن هذه القوة هى مصدر الشر في العالم أكمل. من هنا تولد الإعتقاد بفكرة إله الشر المنافي لإله الخير وعلى سبيل المثال، يمثل شيطان الآداب اليونانية الكلاسيكية ” بروميتيوس” الثائر على “جوبتر” رب الأرباب عند اليونان، صورة قوة إله الشر كحد فاصل في ذاته المتجبر بقوته والمتحدي في جبروته.

إن هذه الإيديولوجيا الغيبية سمحت لعقل وإدراك الوجود الإنساني إبان تلك العصور بتحديد قوة هذا ” الشر” المنطوي في غموضه كي تسمح لنفسها إتقاء شره بممارسة شعائر وطقوس وعقائد وعبادات وقرابين تنوعت وتكاثرت على أشكالها بحسب طبيعة البيئة والثقافة، “عبادة الأسلاف: الطوطمية والفشتية”.

من هنا نرى إمتداد معتقد شخصية الشيطان الميثولوجية التي إبدعتها ملكة الإنسان الخرافية وطورها خياله الخصب في قالبها المرن التي قيست بسرمدية الأزمنة المنصرمة.

وقد أكد الوجود الشيطاني بعدا آخر غير ما كان عليه في بدأ المعتقدات السالفة، حيث تطورت فكرة الشيطان مع ظهور الديانات التوحيدية ورسمت تحولا مس صورته ومرتكزاته وأبعاده إلى منطلق أكثر ملامسة. حيث رأت الديانات التوحيدية بأن الشيطان كان مركز تمرد وخبث ونكران للجميل كما إعتبرته ملاكا ثائر وساقط،  وبمعرض هذا الحديث نجد أن الديانة اليهودية والمسيحية قد دمغة صورة الشيطان حيث نظرت اليهودية إلى منزلة الشيطان في وعيها الديني كآلية للصراع مع الإله  وذلك بعدم الانصياع للاوامر، إلا أن هذه الصورة تختلف بشكل طفيف في الديانة المسيحية حيث إعتبرته مصدر الأفعال والأقوال المنافية للطريق الذي يدعو له “يسوع”.

وبالنظر إلى تمثل الشيطان في الديانة الإسلامية التي يخصنا سبر أغوار تمثلها بهذا الصدد، نجد أنها أخذت صورة الشيطان في دور الثائر المصارع للإله بعدم خضوعه لأوامره، وتأتي مجريات هذا الصراع في الخطاب القرآني بسورة البقرة الآيتين”30، 34 وإن قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبئهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ماتبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة إسجدو لآدم فسجدو إلا إبليس آبى وإستكبر وكان من الكافرين. ”

من هنا بدء منشأ الصراع وتولادت صورة الشيطان المنافية للأمر الإلهي كفعل معارضة إتجاه رفض سلوك السجود.

وبهذا نرى التحول الذي مس صورة الشيطان كونه كان إله الشر في الإعتقادات السالفة ليصير بمنزلة الملاك العاصي في الديانات التوحيدية، ولعل هذا التحول يبين بشكل أو بآخر ميل العقل البشري في تطوره نحو التوحيد لصورة واحدة تمثل منبع كل القوى.

وقد إحتظن الإسلام وعاء الثقافات القصصية والشعرية والأسطورية للشعوب الغابرة ومنها قصص الشياطين.

إلا أن الإسلام أضاف لمسته على تجسيد صورة الشيطان فصنعت الثقافة الدينية الإسلامية لهذا الأخير مكان يسكنه وغذاء يأكله وعمل يؤديه وزوجة يجمعها حتى يتسنى له التناسل كي لا ينقرض كل هذا لتقريب صورة الشيطان إلى ذهن الفرد العربي المسلم.

وبهذا الصدد تفرخت أعداد هائلة لهذا المجسد الشيطاني حيث تقاطبت أشكاله وصوره بين مأكله ومشربه ومعاشرته وإستكانته ولعل الناظر في الإرث الإسلامي للقصص والأحاديث المذكورة على لسان “محمد” وأتباعه على رأسها السيرة النبوية لإبن هاشم، سيرى في ذلك الإنعزال والإختصاص ورصد هذا التجسيد الإبليسي.

وقد شمل مأكل الشيطان كل ماهو نجس ومالم يتم ذكر إسم الإله عليه بينما جاءت قصص المسلمين في باب نكاح الشيطان بمساكنته للنساء بفروجهن، وتناسلت في هذا الصدد أعداد من القصص اللامتناهية وقد إبتعد التجسيد الشيطاني إلى صورة أبعد حيث جعلت الثقافة العربية للشيطان جسما متحركة يسكنه متى شاء بحسب إرادته وهو ما يطلق عليه المعتقد  السائد الشعبي العربي ” الصرع” المرادف لسكن الشيطان جسم الإنسان، أو حسب المدلول المغربي “مسكون أو ساكنو”، كما يتعدى لباسه إلى هيئة حيوان أو طائر متى أراد.

إن هذه الصورة المتمازجة في بعدها تبين مدى إنفلات قبظة التصور الأسطوري للشيطان في العقل العربي حيث تعدى الإعتقاد به إلى حد الإحاطة بكل أشكال مظاهر الحياة اليومية، منها طرق تعود الفرد المسلم من الشيطان أناء الليل وأطراف النهار وعند الأكل والشرب وعند الفزع والفازعة والتعود منه بالأماكن الساكنة والخالية و بالمراحيض والحمامات، وفي هذا نجد أن الثقافة المغربية تعج بأوصاف هذا التعود منها وعلى وجه المثال، النهي عن سكب الماء الساخن بالمراحيض  كي لا تتور روح الشيطان وتنتقم من مرتكب الفعل،  بالصفع أو المس أو الإصابة. .. وما إلى ذلك. وهناك مثال آخر أكثر عمقا يتربى عليه عقل الطفل العربي المتمثل في النهي عن أكل ما سقط على الأرض ظنا بفكرة أن ما سقط غدا مأكل الشيطان وهو بذلك نجس ولا يحق الإقتراب منه أو رفعه وهو ما يدل عليه تعبير الدارجة المغربية بمصطلح “كلاه الشيطان”.

إن هذه الأمثلة تبين بشكل أو بآخر تجدر صورة الشيطان بالوعي الإدراكي للثقافة المجتمعية العربية الإسلامية عامة والمغربية خاصة، حيث صار الفزع من الشيطان مصدر كل شيء فيه إلقاء اللوم عليه متى طال الفرد العربي المسلم أي أذى أو سهو أو إرتكاب للخطايا،  وهنا جاء المعتقد الإسلامي لكبح جماح هذا التغول الشيطاني لمواجهته بأساليب التعود والممانعة وهو ما يشير له لسان الثقافة المغربية بقول” نعلات لله وعليك” أو ” لله ينعلو ويخزيه” أو ” نعل الشيطان”، هذه الأفعال اللفظية تمثل فعل الممانعة والمواجهة للإغراءات الشيطانية بألفاظ موجهة، وهنا نلاحظ أن أشكال هذه الممانعة تفسر الصورة الذهنية لمعنى كلمة الشيطان وفعل الصد كمحاولة تفكيكية للبنية التصورية بتأويلها لواقع ملموس ترتبط في أغلبها بتأثير البيئة الإجتماعية.

ويجرنا هنا إطار التفكير الميثولوجي الديني إلى فهم تطور صورة الشيطان وكذا ارتباطها بالهوس في التراث الإسلامي، حيث كانت أهم التغيرات التي طرأت على شخصية الشيطان في هذا الموروث وعلاقته بالله. بتحول الصراع بين الإله والشيطان ليصبح حالة مشاحنة مباشرة وهنا أضحى الإنسان ولأول مرة مركزا رئيسا  لهذا الصراع ووسيلة الطرفين المتنازعين لتحقيق الإنتصار على حساب الطرف الآخر وتحول الصراع وفق هذا المفهوم من عالمه العلوي الذي كان يجري فيه إلى عالمنا البشري مجسدا بالإنسان الذي بدأ يعتبر محورا لساحة المعركة يدور حولها الشيطان والإله على حد سواء، وهو الملاحظ في خطاب الآية القرآنية التالية:  ” ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة إسجدو لآدم فسجدو  إلا إبليس لم يكن من الساجدين، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقه من طين. قال فأخرج منها إنك من الصاغرين، قال أنظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين، قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لأتينهم من بين أيديهم وعن شماله ولا تجد أكثرهم شاكرين. قال أخرج منها ملما مضحورا لمن إتبعك منهم لأملأن جنهم منكم أجمعين . الأعراف 10-17 .”

وأصبح بهذا الإنسان هو وسيلة الطرفان لكسبه والصراع من أجله وتحولت المعركة بين الله والشيطان من رحلات وغزوات ومعارك بين عالمها وكائناتهما إلى معركة تدور داخل الإنسان باعتباره يمثل وجهان لعملة واحدة وهما الخير والشر والنور والظلام والحق والباطل….

وهنا أصبحت وظيفة الشيطان إخبارية تكتيكية مهمته إختبار الإنسان و تظليله وغوايته لتبيان مدى صموده في إختيار أحد الطريقين” طريق الحق، طريق الباطل”.

ومن هذا السبق إنبعثت صورة الهوس بفكرة الشيطان حيث إنحصر إدراك العقل العربي في تجنب ما يدعو له الشيطان لضمان رضى الله في وجه تعدد الإمتحانات والإختبارات أمام الفرد المسلم ضد رغبة الشيطان، هنا إزداد هوسه بوجوده وصار ملما بكل أنحاء حياته نظرا لتكاثل أعداد المنع والرد عن كل سلوك محظور مرغوب به، وهو ما عبر عنه فرويد في كتابه “إبليس في التحليل النفسي” حيث قال إن الأبالسة في نظرنا نحن رغبات شريرة، مستهجنة تنبع من دوافع مكبوحة مكبوته.

إن هذا الطرح الإعتقادي القائم للصورة النمطية لعلة الشيطان وتأثيره على الإنسان تشير إلى طبيعة القلق المتناغم مع رغبة الخروج من مأزق الوجود المعنوي الذي يحاصر الإنسان ظاهرا وباطنا على مستوى الحياة الفردية والإجتماعية كل هذا يعطي لنا إمكانية القول بأن الشيطان هو المرافق الخفي لسر الاسرار، أي لدراما الحياة المتذبذبة بين يقينين وفي هذا يكمن أيضا سر إختيار مبدأ الدراما التاريخية ونهايته للإنسان وفيه أيضا يكمن مصدر الصراع التاريخي في التفسير والتأويل والمواقف والمساعي إتجاه القوة التي تتحدى الإنسان وتنبع منه بقدر واحد.

               بقلم :خديجة عمراني

 

التعليق من فيس بوك

Please complete the required fields.
اختر سبب التبليغ واكتب تفاصيلة .. ويمكنك ايضا التبليغ بشكل اسرع عن طريق صفحتنا فى فيس بوك



Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

تقييم القراء. من فضلك قيـم هذه المقالة :
نجمه واحدهنجمتان3 نجوماربع نجومخمس نجوم (لم يتم التقييم من قبل ..كن أول من يقيم هذه المقالة)
Loading...


عن الكاتب